أنوار الفقاهة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الحدود) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠١ - إجراء حد السارق في هذا العصر
عقيدتان مختلفتان نذكر كلا منهما مع دليله الفقهي لا الاستحساني.
النظرة الاولى: أنّه لا فرق بين زماننا وغيره، بل وفي المستقبل فيجب إجراء هذه الحدود طِبق النعل بالنعل كما ورد في الشريعة المقدّسة الغرّاء ولا نعتني بما يذكره مخالفونا في الدين من أهل العصر، من أنّ ذلك ينافي حقوق الإنسان ويزاحم كرامته، بل تكون هذه الامور في عصرنا من حيث القسوة والشدّة ما لا يقبله أحد، فإنّا لو بنينا على ملاحظة هذه الامور وجب ترك كثير من الواجبات حتّى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد والشهادة في سبيل الله وبعض العبادات وغير ذلك.
وقد كان المشركون في العصر الأوّل يستهزئون بالأذان كما قال الله تبارك وتعالى: وَإذَا نَادَيْتُمْ إلَى الصَّلاةِ اتّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأنّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ[١].
بل كانوا يتّخذون نفس الرسول (ص) هزواً كما قال تبارك وتعالى: وَإذَا رَآكَ الّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتّخِذُونَكَ إلا هُزُواً أهَذَا الّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَانِ هُمْ كَافِرُونَ[٢]. فلا يمكن الاعتناء بهذه الامور.
ويزيدك وضوحاً أنّا نرى في مقامات كثيرة استهزاء الكافرين بالمؤمنين ولكن ذلك لم يمنع الرسول (ص) ولا المؤمنين عن إظهار الإسلام أبداً كالمواقف التالية:
١- قد كان المشركون يتعجّبون من إحياء الإنسان بعد موته بإذن الله حتّى جعلوه دليلًا على جنون النبي (ص)- العياذ بالله- كما قال الله تعالى: وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إذَا مُزِّقْتُمْ كُلّ مُمَزَّقٍ إنّكُمْ لَفِى خَلْقٍ
[١]. المائده( ٥): ٥٨.
[٢]. الأنبياء( ٢١): ٣٦.