منتقد المنافع في شرح المختصر النافع - كتاب الطهارة - ملا حبيب الله الكاشاني - الصفحة ١٦ - المسألة الثانية في أنّ النيّة هل هي الحالة الداعية على العمل خ، الأعمال ، أم هي الإخطار بالبال؟
معه. على أنّ مبنى الأحكام الشرعيّة على فهم العرف، و إنّا إذا راجعنا إليهم نراهم يطلقونها كثيرا ما على الداعي. على أنّ الثابت من أدلّة اعتبارها ما تطلق عليه النيّة، و الحالة المذكورة تطلق عليها النيّة، فيجب الاجتزاء بها؛ نظرا إلى أنّ الإخطار أمر زائد ينفيه الأصل.
و التمسّك بأصالة الاشتغال إنّما يجدي لو لم يكن هنا إطلاق صحيح، بل ربّما يقال: إنّه لا دليل لفظيّا على اعتبار النيّة، و إنّما دليله منحصر في الإجماع، و حينئذ فيجب الاقتصار على القدر المتيقّن في مقام التكليف.
و الحاصل: أنّه لم يثبت اشتغال الذمّة بأكثر من هذه الحالة، فمقتضى أصالة البراءة عدم التكليف بالزائد؛ لمكان الشكّ في أصل التكليف.
و من هنا يظهر أنّ النيّة المجزئة في صحّة العبادات هي الداعية الباعثة عليها، كما في سائر الأفعال الاختياريّة.
و اختار هذا القول كثير من محقّقي من تعرّض لهذه المسألة من أصحابنا المتأخّرين [١].
و المتقدّمون لم يتعرّضوا لها؛ لمكان الغناء عن البيان، حيث لم يفرّقوا بين العبادات و غيرها في النيّة في الجملة.
قال صاحب الحدائق- و نعم ما قال-:
لا ريب أنّ أفعال العقلاء كلّها- عبادة كانت أم لا- لا تصدر إلّا عن الدواعي الباعثة على الإتيان بها، مثلا: يتصوّر الإنسان أنّ زيارته لزيد موجب لإكرامه، و كتابته لهذا الكتاب موجب لانتفاعه، و نحو ذلك، فإذا تصوّرت النفس هذه الأغراض انبعث منها شوق إلى جذبها و تحصيلها، فانبعاث النفس و توجّهها و قصدها إلى ما فيه غرضها هو النيّة.
نعم، قد يحصل بسبب تكرّر الفعل و الاعتياد عليه ذهول عن تلك العلّة الغائيّة الحاملة على الفعل، إلّا أنّ النفس بأدنى توجّه و التفات تستحضر ذلك، كما هو المشاهد في جملة أفعالنا المتكرّرة منّا، و حينئذ فليست النيّة بالنسبة إلى الصلاة إلّا كغيرها من سائر أفعال المكلّف من قيامه و قعوده و أكله و شربه، و غير ذلك.
و لا ريب أنّ كلّ عاقل غير غافل لا يصدر عنه [فعل] من هذه الأفعال إلّا بقصد و نيّة
[١] كالنراقي في مستند الشيعة، ج ٢، ص ٧٣؛ و شيخ فقهائنا المتأخّرين في جواهر الكلام، ج ٢، ص ١٥٢.