شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٣٢ - حديث عيسى ابن مريم
كلّ وصفى لك نصيحة و كلّ قولى لك حقّ و أنا الحقّ المبين، فحقّا أقول: لئن أنت عصيتنى بعد أن أنبأتك، ما لك من دونى ولىّ و لا نصير.
يا عيسى أذلّ قلبك بالخشية و انظر إلى من هو أسفل منك و لا تنظر إلى من هو فوقك و اعلم أنّ رأس كلّ خطيئة و ذنب هو حبّ الدنيا فلا تحبّها فانّى لا احبّها.
كان عاقبة الظالمين)
(١) أمر بالعبرة من أحوال الظالمين حيث كانوا فى جنات و عيون و زروع و مقام كريم مع أنصار و أولاد و أحفاد و احترام عظيم قد أخذهم اللّه تعالى بتخريب ديارهم و تقلب أحوالهم و تدمير أدبارهم و تقطيع آثارهم و غير ذلك من بأس اللّه و صولاته و وقائعه و مثلاته فصاروا بحيث لم يبق منهم الا اسم و لا من ديارهم الا رسم، مأخوذين بأعمالهم مقيدين بسلاسل أفعالهم مغلولين بأغلال أطوارهم مشغولين بالحسرة و الندامة محرومين عن الرحمة و الكرامة فان من تفكر فى هذا حصلت له ملكة الانزجار عن حلال الدنيا فضلا عن حرامها و فضيلة الانقطاع عن خلاف الاولى فضلا عن الظلم بأهلها، ثم رغبه فى الاخذ بوصيته و قوله مع الوعيد بالعذاب على تركه
بقوله:
(يا عيسى كل وصفى لك نصيحة و كل قولى لك حق)
(٢) أى كل ما بينته لك نصيحة خالصة و كل ما قلته لك حق ثابت لا ريب فيه فوجب عليك الأخذ به
(و أنا الحق المبين)
(٣) أبان الشيء ظهر و أبانه أظهره و أوضحه لازم متعد، فعلى الاول أشار الى ظهور وجوده، و على الثانى أشار الى انه أظهر جميع ما يحتاج إليه الخلق فى كمالهم و بينه لهم و الغرض على التقديرين هو الحث على اتباع قوله و «نصحه»
(فحقا أقول لئن أنت عصيتنى بعد أن أنبأتك ما لك من دونى ولى و لا نصير)
(٤) وعيد عظيم للعالم التارك لعلمه بان عقوبته أشد و أقوى و هو باللوم أجدر و أحرى من الجاهل، و قد دل عليه كثير من الروايات
(يا عيسى أذل قلبك بالخشية)
(٥) قد مر أنها تابعة للعلم باللّه و أنها اذا حصلت لاحد تبعثه على القيام بالعبودية و رعاية الآداب و أداء وظائف الطاعات و ترك المنهيات و التقصير فى شيء من الحقوق فهى أصل لقبول النصائح و لذلك أمر بها مرارا
(و انظر الى من هو اسفل منك و لا تنظر الى من هو فوقك)
(٦) لان ذلك يسهل أمر الدنيا و الصبر على الفائت منها و الرضا عن الرب بما أعطاه و الحمد و الشكر له بخلاف النظر الى الفوق و قد مرو سيجيء أيضا و هذا أصل عظيم لترك الدنيا و الرضا بالمقدر
(و اعلم أن رأس كل خطيئة أو ذنب هو حب الدنيا)
(٧) الخطايا و الذنوب كلها مثل الكبر و الحرص و الحسد و الزنا و الرئاسة و العداوة و القتل و ترك الاوامر للراحة و فعل المناهى للشهوة و غير ذلك تابعة لحب الدنيا منبعثة من الميل إليها و الخطيئة أعم من الذنب لان ترك الاولى و خلاف المروة خطيئة و ليس بذنب و فيه زجر عن حب الدنيا و الركون إليها، و بالغ فيه فقال
(فلا تحبها فانى لا احبها)
(٨) لان العاقل المحب للّه تعالى لا يحب ما لا يحبه و يبغضه و من وجوه عدم حبه تعالى للدنيا أنه لا يعصى الا فيها و انها تخدع