شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١١٩ - حديث عيسى ابن مريم
يا عيسى انّ الدنيا سجن منتن الريح و حسن فيها ما قد ترى ممّا قد تذابح عليه الجبّارون و ايّاك و الدّنيا فكلّ نعيمها يزول و ما نعيمها الّا قليل.
يا عيسى ابغنى عند وسادك تجدنى و ادعنى و أنت لى محبّ فانّي أسمع السامعين أستجيب للدّاعين اذا دعونى. يا عيسى خفنى و خوّف بى عبادي، لعلّ المذنبين أن يمسكوا عمّا هم عاملون به فلا يهلكوا الّا و هم يعلمون.
أن جهل نعمته و تولى غيره أمر مشترك بين الكفرة كلهم على تفاوت مللهم و اختلاف درجاتهم
(يا عيسى ان الدنيا سجن ضيق منتن الريح)
(١) الظاهر أن الحمل من باب الحقيقة لان الدنيا محبس لآدم و أولاده خصوصا للاولياء ضيقة بالنسبة الى الآخرة منتن الريح يجد ريح نتنه العارفون فلذلك يتنفرون منها كتنفرهم من الميتة المنتنة و يحتمل أن يكون من باب التشبيه بحذف أداته مثل زيد اسد بحمل السجن على المعروف عند الناس
(و حسن فيها ما قد ترى)
(٢) من نعمائها الرائقة و زهراتها الرائعة و ثمراتها الفائقة
(مما قد تذابح عليها الجبارون)
(٣) أى ذبح بعضهم بعضا لاخذ ما فى يده من أمتعة الدنيا و نعيمها و اذا كانت حال الدنيا الضيقة المنتنة هذه فكيف حال الجنة التى لا يحيط بوصف نعيمها دائرة البيان و لا يبلغ أدنى أوصافها جواد اللسان دار بناها رحمة رب العالمين و أعدها للمتقين هذا بحسب ظاهر النظر و أول الفكر و الا فلو نظرت إليهما بعين اليقين و فكرت فيهما بالفكر المتين وجدت ان ليس بين متاع الدنيا و متاع الجنة الا نسبة وهمية و لما كان المقصود من هذا البيان الشافى هو التحذير عن الدنيا و التحريك الى الآخرة قال
(و اياك و الدنيا فكل نعيمها يزول و ما نعيمها الا قليل)
(٤) تحذير عن الدنيا و الركون إليها و صرف- العمر فى تحصيلها لان نعيمها قليل يزول و العاقل لا يركن الى القليل الزائل لاجل انه زائل فكيف اذا كان سببا لزوال الكثير الباقى
(يا عيسى ابغنى عند وسادك تجدنى)
(٥) اشارة الى قربه من كل احد فى كل زمان و مكان أو الى طلب العبادة فى زمان الغفلة و حث على ترك النوم
(و ادعنى و أنت لى محب)
(٦) محبته تعالى دون غيره من اصول شرائط الدعاء و من لوازم تلك المحبة الانقطاع من الغير إليه و تعلق القلب به و التضرع بين يديه و طلب القرب منه و الاعتماد عليه فانى أسمع السامعين
(استجيب للداعين اذ ادعونى)
(٧) ترغيب فى طلب الخيرات و المرغوبات كلها منه تعالى و التيقن بحصولها لان عدم حصولها اما لعدم سماع الدعوة أو لعدم الاستجابة بعده و كلاهما منتف عنه تعالى
(يا عيسى خفنى و خوف بى عبادى)
(٨) الخوف من عقابه و الحرمان من اكرامه و ثوابه يقتضي فعل المأمورات و ترك المنهيات لان من خاف شيئا هرب منه
(لعل المذنبين أن يمسكوا عماهم عاملون به فلا يهلكوا إلا وهم يعلمون)
(٩) العاملون العارفون يمسكون عن المعصية نظرا الى كماله و تعظيما لجلاله و لو لم تكن نار و لا جنة، و أما الجاهلون المذنبون فهم بمنزلة