شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٤٠ - إنّ اللّه تعالى خلق الجنّة قبل أن يخلق النّار
عزّ و جلّ: فَلَمّٰا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كٰانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مٰا لَبِثُوا فِي الْعَذٰابِ الْمُهِينِ.
[حديث المشركين مع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله).]
١١٥- ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن سدير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أخبرني جابر بن عبد اللّه أنّ المشركين كانوا إذا مرّوا برسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) حول البيت طأطأ أحدهم ظهره و رأسه هكذا و غطّى رأسه بثوبه لا يراه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فأنزل اللّه عزّ و جلّ: أَلٰا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلٰا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيٰابَهُمْ يَعْلَمُ مٰا يُسِرُّونَ وَ مٰا يُعْلِنُونَ.
[إنّ اللّه تعالى خلق الجنّة قبل أن يخلق النّار.]
١١٦- ابن محبوب، عن أبي جعفر الاحول، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ خلق الجنّة قبل أن يخلق النّار و خلق الطاعة قبل أن يخلق المعصية و خلق الرّحمة قبل الغضب و خلق الخير قبل الشرّ [١] و خلق الأرض قبل
البعير اذا طردته لانه يطرد بها
(أ فلا تسمع لقوله عز و جل فَلَمّٰا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كٰانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مٰا لَبِثُوا فِي الْعَذٰابِ الْمُهِينِ)
(١) زعموا أنهم يعلمون الغيب و كانوا يدعونه عند الناس فاظهر اللّه تعالى كذبهم فانهم لو علموا الغيب لعلموا موته حين وقوعه فلم يلبثوا بعده حولا فى العذاب المهين.
قوله (ان المشركين كانوا اذا مروا برسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) حول البيت طأطأ احدهم ظهره و رأسه هكذا)
(٢) أى حنى ظهره و عطفه و خفض رأسه و هكذا اشارة الى صورة فعله و لعل صدور هذا الفعل منه لكمال عداوته ان كان قبل النهى عن دخول المشركين فى المسجد او للخوف من النبي (صلى اللّه عليه و آله) ان كان بعده ثم هذا الفعل يمكن أن يكون قبل الهجرة و بعدها فى طواف العمرة او فى حجة الوداع و الآية على التقادير مكية، و على الاخيرين يمكن أن يراد بالمشركين المنافقون كما ذهب إليه بعض المفسرين و لا يرد عليه ما أورده القاضى من أن هذا القول منظور فيه لان الآية مكية و النفاق انما حدث فى المدينة فليتأمل
(يَعْلَمُ مٰا يُسِرُّونَ)*
(٣) من الشرك و العداوة و النفاق
(وَ مٰا يُعْلِنُونَ)*
(٤) من قبائح الاعمال و فضائح الافعال و الاقوال فيجزيهم
[١] قوله «و خلق الخير قبل الشر» اشارة الى قاعدة معروفة بامكان الاشرف فى فن المعقول. و كل شيء هو اشرف و اكمل لا بد أن يكون اقرب الى اللّه تعالى و لذلك يقولون اوّل ما خلق اللّه العقل لان العقل اشرف مما ليس بعاقل و الروحانيون خلقوا قبل الجسمانيين لانهم اشرف و هكذا ثم ان الغضب و المعصية و الشر و امثالها مجعولة بالعرض و ما بالعرض مؤخر عما بالذات و اللّه تعالى خلق الناس و ركب فهم اسباب الطاعة و منها انه خلقهم مختارا و جعل فيهم الشهوة و الغضب و هما من اسباب الطاعة أيضا فصرفهما العبد بمقتضى الاختيار فى معصية اللّه تعالى و لم يجعل اللّه هذه الطبائع لمعصية اللّه تعالى بل للطاعة فصرفها الى المعصية بالعرض.
و الاختيار مجعول فى جبلة الناس لمصلحة بعناية اللّه تعالى و هو خير ذاتا و صرفه الى المعصية و الشر بالعرض و هذا مذهب الالهيين و اما الماديون و الملاحدة فيعتقدون خلاف ذلك و هو ان الحياة متأخرة عن المواد الجامدة و انما حصلت بتركيب العناصر و العقل متأخر عن الحياة المطلقة و انما وجد فى الانسان بخاصية و مزاج فى دماغه و لو لم يكن تركيب و جسم و عناصر لم يكن عقل و بالجملة العقل و الحياة عند هؤلاء عرض من اعراض الاجسام و لم يكن اوّل الخلقة عقل و لا حياة و كان الموت قبل الحياة و الظلمة قبل النور و هكذا. (ش)