شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢١١ - خطبة لامير المؤمنين
تعدو الدّنيا إذا تناهت إليها امنيّة أهل الرّغبة فيها المحبّين لها، المطمئنّين إليها المفتونين بها، أن تكون كما قال اللّه عزّ و جلّ: كَمٰاءٍ أَنْزَلْنٰاهُ مِنَ السَّمٰاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبٰاتُ الْأَرْضِ مِمّٰا يَأْكُلُ النّٰاسُ وَ الْأَنْعٰامُ- الآية-» مع أنّه لم يصب امرئ منكم في هذه الدّنيا حبرة إلّا أورثته عبرة و لا يصبح فيها في جناح آمن إلّا و هو يخاف فيها نزول جائحة أو تغيّر نعمة أو زوال عافية مع أنّ الموت من وراء ذلك
لم تحصل له و ينكشف بطلان تلك الامارات بعد العناء الطويل و ربما تحصل له مع مشقة شديدة و لا تدوم له بل تأخذه الدنيا منه عن قريب و تغلبه فتخرج منها فريدا وحيدا مسكينا و كلا الامرين شاق على النفس كما أشار إليه
بقوله (لن تعدوا الدنيا اذا تناهت إليها امنية أهل الرغبة فيها المحبين لها المطمئنين إليها المفتونين بها أن تكون كما قال اللّه عز و جل- اه)
(١) أى لن تتجاوز الدنيا عند تناهى أمانى الراغبين فيها و حصول متمنياتهم كما هى أن تكون مشابهة لما تضمنته الآية الكريمة فقوله «أن تكون» مفعول لن تعدو، و بالجملة شبه حالهم فى سرعة زوالهم و ذهاب نعيمهم و انقطاع متمنياتهم بعد اقبالها و اهتزازهم بها بحال الارض فى نضرتها و خضرتها و بهجتها و حسنها بالنبات الحاصل من الماء ثم سرعة تعقب الهلاك و الزوال و الفناء ثم أشار الى أن نعماء الدنيا مشوبة ببلائها و زهراتها مختلطة بآفاتها زجرا عن الميل إليها و صرف العمر فيها و تبديل النعماء الاخروية الصافية الدائمة بها
بقوله (مع أنه لم يصب امرئ منكم فى هذه الدنيا حبرة)
(٢) و هى بالفتح النعمة الحسنة و سعة العيش
(الا أورثته عبرة)
(٣) و هى بالفتح الدمعة قبل أن يفيض أو الحزن بلا بكاء
(و لا يصبح فيها فى جناح أمن)
(٤) أى فى ظل جناح أمن أو تحت جناحه كبيض الطير أو فرخه تحت جناحه و فيه مكنية و تخييلية
(الا و هو يخاف فيها نزول جايحة)
(٥) هى آفة تهلك الثمار و مصيبة عظيمة و فتنة مبيرة
(أو تغير نعمة أو زوال عافية)
(٦) كل ذلك ظاهر لاهل الدنيا بمشاهدة انقلاباتها و تغير حالاتها ثم ذكر ما يوجب ترك الدنيا لمن تأمل و تدبر و تعقل و تفكر فقال
(مع أن الموت من وراء ذلك)
(٧) من تفكر فى أمر الموت و شدائده و ضرورة وقوعه يستعد له و يمنعه عن الطعام و الشراب فضلا عن الاطمينان فى الدنيا التى هى بمنزلة السراب
(و هول المطلع)
(٨) قيل هو رؤية ملك الموت و فى الصحاح هو موضع الاطلاع من اشراف الى انحدار و فى الحديث هول المطلع شبه ما أشرف من أمر الآخرة عليه، و فى النهاية يريد به الموقف يوم القيامة أو ما يشرف عليه من أمر الآخرة عقيب الموت فشبهه بالمطلع الّذي يشرف عليه من موضع عال
(و الوقوف بين يدى الحكم العدل)
(٩) أشار بذكر الوقوف الى ذل الخلائق حينئذ و بذكر الحكم الى جريان حكمه عليهم و بذكر العدل الى أنه يثيب المطيع و يعاقب العاصى و لا يجوز ان يعكس أو يمنع الحق عن المستحق و فيه تحريص على الطاعة و تبعيد عن-