شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٥٢ - ما خلق اللّه عزّ و جلّ شيئا إلّا و خلق شيئا يغلبه
ثمّ إنّ الماء فخر و زخر و قال: أيّ شيء يغلبني؟ فخلق الرّيح فحرّكت أمواجه و أثارت ما في قعره و حبسته عن مجاريه فذلّ الماء، ثمّ إنّ الريح فخرت و عصفت و أرخت أذيالها و قالت: أيّ شيء يغلبني؟ فخلق الانسان فبنى و احتال و اتّخذ ما يستتر به من الريح و غيرها فذلّت الريح ثمّ إنّ الانسان طغى و قال: من أشدّ منّي قوّة؟ فخلق له الموت فقهره فذلّ الانسان؛ ثمّ إنّ الموت فخر في نفسه فقال اللّه عزّ و جلّ: لا تفخر فانّي ذابحك بين الفريقين: أهل الجنّة و أهل النّار ثمّ
(١) زفرت النار اذا سمع لتوقدها صوت و أصل الزفير اخراج الحمار نفسه بعد مده اياه و شهقت اذا صوتت أو ارتفعت لهباتها و منه الشاهق و هو المرتفع
(ثم ان الريح فخرت و عصفت و أرخت أذيالها)
(٢) عصفت الريح اشتدت و أرخت أذيالها اذا مرت على وجه الارض، و فيه تنبيه على كمال شدتها و حركتها من سطح الارض الى جو السماء مع الاشارة بإرخاء الاذيال التى تكبرها و تفاخرها لانه كان شأن المتكبرين من العرب
(ثم ان الانسان طغى و قال من أشد منى قوة فخلق اللّه له الموت فقهره فذل الانسان)
(٣) أسباب مذلة الانسان كثيرة غير محصورة و انما ذكر الموت لانه أعظمها و من العجائب انهم مع اتصافهم بأنواع من المصائب الدالة على مسكنتهم و عجزهم و ذلهم يدعون التكبر الّذي من أخص صفاته تعالى و من ادعى الشركة معه فى أخص صفاته فقد ادعى أنه شريك له
(ثم ان الموت فخر فى نفسه فقال اللّه تعالى لا تفخر فانى ذابحك بين الفريقين أهل الجنة و أهل النار ثم لا احييك أبدا فترجى أو تخاف)
(٤) أى فيرجوك أهل النار ليتخلصوا من عذابهم أو يخاف منك أهل الجنة خوفا من زوال ما هم عليه من نعيمها و الذبح يحتمل أن يراد به الحقيقة و أن يكون كناية عن ازالته و افنائه قيل اذا استقر الخلائق يوم القيمة فى منازلهم أهل الجنة فى الجنة و أهل النار فى النار يؤتى بالموت على صورة كبش يوقف بين الجنة و النار و ينادى مناد يا أهل النار هل تعرفون هذا فيقولون نعم هذا الموت فيذبح حينئذ و يقال يا أهل الجنة و يا أهل النار خلود لكم فى منازلكم بلا انتهاء و لا موت فيحصل بذلك لاهل الجنة غاية السرور و لاهل النار نهاية الحسرة و الالم كما يدل عليه قوله تعالى وَ أَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ وَ هُمْ لٰا يُؤْمِنُونَ قال بعض المفسرين اذا قضى الامر و هو ذبح الموت وقع أهل النار فى الحسرة و الندامة و لا ينفعهم ذلك.
أقول ذبح الموت متفق عليه بين الخاصة و العامة روى مسلم باسناده قال قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) «يجاء بالموت يوم القيمة كأنه كبش أملح يتوقف بين الجنة و النار فيقال يا أهل الجنة هل تعرفون هذا قال فيشرئبون و ينظرون و يقولون نعم هذا الموت قال و يقال يا أهل النار هل تعرفون هذا قال فيشرئبون و ينظرون و يقولون نعم هذا الموت قال فيؤمر به