شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٨٩ - في زهد النبيّ
يظلّ جائعا خائفا في اللّه.
[في زهد النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و أدبه و زهد عليّ (عليه السلام).]
١٠٠- عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، و أبو عليّ الأشعريّ، عن محمّد ابن عبد الجبّار جميعا، عن ابن فضّال، عن عليّ بن عقبة، عن سعيد بن عمرو الجعفي، عن محمّد بن مسلم قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) ذات يوم و هو يأكل متّكئا قال: و قد كان يبلغنا أنّ ذلك يكره فجعلت أنظر إليه فدعاني إلى طعامه فلمّا فرغ قال: يا محمّد لعلّك ترى أنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ما رأته عين و هو يأكل و هو متّكئ من أن بعثه اللّه إلى أن قبضه؟ قال: ثمّ ردّ على نفسه فقال: لا و اللّه ما رأته عين يأكل و هو متّكئ من أن بعثه اللّه إلى أن قبضه ثم قال: يا محمّد لعلك ترى أنّه شبع من خبز البرّ ثلاثة أيّام متوالية من أن بعثه اللّه إلى أن قبضه، ثمّ ردّ على نفسه ثمّ قال:
لا و اللّه ما شبع من خبز البرّ ثلاثة أيّام متوالية منذ بعثه اللّه إلى أن قبضه، أما إنّي
عليه و آله شيء من الدنيا الا أن يكون فيها جائعا خائفا» و اعلم أن فى الجوع فوائد منها ما روى عن الصادق (عليه السلام) «أن البطن ليطغى من أكله و أقرب ما يكون العبد من ربه عز و جل اذا خف بطنه، و أبغض ما يكون العبد الى اللّه عز و جل اذا امتلاء بطنه» و منها صفاء القلب و رقته و قلة النوم و كثرة الحفظ و صحة البدن و قلة الاحتياج الى كسب الاموال الى غيرها مما ذكرنا فى الباب المذكور.
و للخوف أيضا فوائد منها التزام الخيرات و ينبغى أن يعلم أن خوفه ليس كخوفنا من المعصية و العقوبة و التقصير فى الطاعة و سوء الخاتمة و أمثال ذلك فانه كان منزها عنها بل خوفه من التنزلات عن المقامات العالية لاصلاح الخلق أو من خوضه فى هيبة العظمة الالهية
(لا و اللّه ما رأته عين يأكل و هو متكئ)
(١) فعله (عليه السلام) مع أنه (صلى اللّه عليه و آله) لم يفعله لبيان الجواز
(فقال لا و اللّه ما شبع من خبز البر ثلاثة أيام متوالية)
(٢) هذا متفق عليه بين الامة روى مسلم باسناده انه «ما شبع رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ثلاثة أيام تباعا من خبز بر حتى مضى لسبيله» و فيه دلالة على أنه شبع من خبز البر دون ثلاثة و يؤيده ما سيجيء من قوله (صلى اللّه عليه و آله) «أشبع يوما و أجوع يوما» و بالجملة أمثال هذه الاحاديث دلت على أنه (صلى اللّه عليه و آله) لم يكن يديم الشبع و الترفه بل كان يأكل الخشن و يقتصر من الاكل على ما يقيم الرمق معرضا عن متاع الدنيا مؤثرا ما ينبغى على ما ينفى مع اقبال الدنيا عليه و وفورها لديه و انما لم يشبع لئلا يشبع هو و يجوع أحد من المسلمين و لان فى كثرة الاكل مفاسد روحانية و عللا جسمانية و ليست القوة على العبادة و الشجاعة من كثرة الاكل كما زعمه بعض الناس و سمعته من بعض عباد البطن و انما القوة عليهما قوة إلهية و قدرة روحانية و الحكم بأن القوة من كثرة الغذاء من أحكام الوهم