شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٩١ - في زهد النبيّ
العبد و يطعم النّاس خبز البرّ و اللّحم و يرجع إلى أهله فيأكل الخبز و الزّيت و إن كان ليشتري القميص السنبلانيّ ثمّ يخيّر غلامه خيرهما، ثمّ يلبس الباقي فاذا جاز أصابعه قطعه و إذا جاز كعبه حذفه.
و ما ورد عليه أمران قطّ كلاهما للّه رضى إلّا أخذ بأشدّ هما على بدنه و لقد ولى الناس خمس سنين فما وضع آجرة على آجرة و لا لبنة على لبنة و لا أقطع قطيعة و لا أورث
و الجلود و لم يكن له بساط و فروش مزينة لا لانه لم يجدها بل للتواضع للّه عز و جل
(و يأكل أكلة العبد)
(١) الاكلة بالضم اللقمة و القرصة و الطعمة و هى ما يطعم و يؤكل و المقصود أن طعامه كان خشنا غليظا أو بلا أدم
(و ان كان ليشترى القميص السنبلانى)
(٢) و فى القاموس قميص سنبلانى سابغ الطول أو منسوب الى بلد بالروم و سنبل ثوبه جره من خلفه و أمامه و سنبلان و سنبل بلدان بالروم بينهما عشرون فرسخا
(فاذا جاز أصابعه قطعه و اذا جاز كعبه حذفه)
(٣) فرارا من عادة المختالين المتكبرين و مخالفة شعار المؤمنين حيث أن قميصهم كما روى الى نصف الساق أو الى الكعب و من الاسراف فى الثوب بما لا حاجة إليه و من النجاسة فان الثوب بجره على الارض يتلوث غالبا و من سرعة بلاه و خرقه بجره على التراب
(و ما ورد عليه أمران قط كلاهما للّه رضا)
(٤) احترز به عما اذا لم يكن فى أحدهما للّه رضا فانه لا يجوز تعذيب النفس به سواء كان أشق أم أخف
(الا أخذ بأشدهما على بدنه)
(٥) حملا لنفسه القدسية على الرياضة و الانحراف عن الكسل و الراحة و طلبا للافضل كما تقرر «أفضل الاعمال أحمزها» و روى أفضل الاعمال ما أكرهت عليه نفسك» و فيه تنبيه على أنه لا بد من تذليل النفس المائلة الى الراحة بحمل الاشق من الطاعات عليها لتعتاد فى الخيرات و يسهل لها سلوك سبيل الطاعات حتى ترتقى الى غاية الكمالات و تدرك أرفع درجة المثوبات
(فما وضع آجرة على آجرة)
(٦) فى المصباح الاجر اللبن اذا طبخ بمد الهمزة و التشديد أشهر من التخفيف الواحد آجرة و هو معرب
(و لا لبنة على لبنة)
(٧) اللبن ككتف المضروب من الطين مربعا للبناء و يقال فيه بالكسر و بكسرتين فكّا بل لغة و الواحدة لبنة بفتح اللام و كسر الباء و يقال بكسر اللام و سكون الباء و لبنه تلبينا اتخذه و المقصود أنه (عليه السلام) ما اشتغل بعمارة الدنيا و لم ينفق بالهوى فى عمارتها لانها مبغوضة للّه منذ خلقها اذ هى سبب انقطاع عباده عن عبادته و لهذا لما بنى النبي (صلى اللّه عليه و آله) مسجده اقتصر فيه و قال «عريش كعريش موسى» و لم يشتغل فيه بالتشييد و زخرف الدنيا مع كونه مسجدا فما ظنك بغيره و روى من طرق العامة أنه (صلى اللّه عليه و آله) مر يوما بقبة مرتفعة فقال لمن هذه فقيل لفلان رجل كان يدخل عليه و يقربه و يقبل عليه فدخل عليه الرجل بعد ذلك اليوم فلم يلتفت إليه فسأل عن سبب اعراضه عنه فقيل انه رأى قبتك فذهب الرجل فهدمها و سواها بالارض فلما علم النبي (صلى اللّه عليه و آله)