شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٤٠٧ - بعد ما رأى إبراهيم
لمّا رأى إبراهيم (عليه السلام) ملكوت السماوات و الأرض التفت فرأى رجلا يزني فدعا عليه فمات، ثمّ رأى آخر فدعا عليه فمات حتّى رأى ثلاثة فدعا عليهم فماتوا، فأوحى اللّه عزّ ذكره إليه: يا إبراهيم إنّ دعوتك مجابة فلا تدع على عبادي فانّي لو شئت لم أخلقهم، إنّي خلقت خلقي على ثلاثة أصناف: عبدا يعبدني لا يشرك بي شيئا فاثيبه، و عبدا يعبد غيري فلن يفوتني و عبدا عبد غيري فاخرج من صلبه من يعبدني ثمّ التفت فرأي جيفة على ساحل البحر نصفها في الماء و نصفها في البرّ، تجيء سباع البحر فتأكل ما في الماء. ثمّ ترجع فيشدّ بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضا و تجيء سباع البرّ فتأكل منها، فيشدّ بعضها على بعض فيأكل بعضها بعضا فعند ذلك تعجّب إبراهيم (عليه السلام) ممّا رأى و قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتىٰ قال: كيف تخرج ما تناسل التي أكل بعضها بعضا؟ قٰالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قٰالَ بَلىٰ وَ لٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي يعني حتّى أرى هذا كما رأيت الأشياء كلّها؟ «قٰالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً»
كما روى ان الدعاء المقرون به لا يرد
(لما رأى ابراهيم ملكوت السموات و الارض)
(١) الملكوت فعلوت من الملك و التاء للمبالغة و المراد برؤيتها رؤية تفاصيلها و مشاهدة عجايبها و بدائعها الدالة على كمال القدرة و الربوبية
(انى خلقت خلقى على ثلاثة أصناف عبدا يعبدنى)
(٢) عبدا بالنصب بدل عن خلقى و تقدير الناصب له بعيد
(ثم التفت فرأى جيفة على ساحل البحر)
(٣) هذا السبب للسؤال الآتي ذكره الحسن و قتادة و عطاء و ابن جريج. و قال ابن جريج و كانت الجيفة حمارا و قال عطاء: رآها فى ساحل بحيرة الطبرية و قيل: السبب أن نمرود لما قال انا احيى و اميت قتل واحدا و أطلق آخر قال له ابراهيم (عليه السلام) ان احياء اللّه تعالى يرد الروح الى الابدان بعد الموت فقال نمرود هل عاينته فلم يقدر أن يقول: نعم فانتقل الى جواب آخر ثم سأل ربه أن يريه ليطمئن قلبه على الجواب ان سئل عنه مرة اخرى
(قال كيف تخرج ما تناسل التى اكل بعضها بعضا)
(٤) نسل ولد كانسل و تناسلوا انسل بعضهم بعضا، و الظاهر ان ما عبارة عن أجزاء تلك الجيفة التى انتقلت من صلب الحيوانات الاكلة الى أولادها و انما سأل عن كيفية اخراج تلك الاجزاء عن أولاد الاكلة لا عن الاكلة و المأكولة لان التعجب فيه أكثر اذ كلما كان الامتزاج و الاختلاط أكثر و أكمل كان التميز و التفريق أشد و أشكل
(قٰالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ)
(٥) بأنى قادر على ذلك و انى على كل شيء قدير قال ذلك مع علمه بان ايمانه (عليه السلام) به فى غاية الكمال ليجيب بما اجاب و يسمع السامعون غرضه و هو ان يشاهد المعلوم مشاهدة عيان
(قٰالَ بَلىٰ)
(٦) آمنت
(وَ لٰكِنْ)
(٧) سألت
(لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)
(٨) بحصول المطلوب عيانا فان القلب اذا طلب شيئا و لم يجده اضطرب فاذا وجده اطمأن و هذا أحسن مما قاله بعض المفسرين من أنه يطمئن قلبى