شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢١٠ - خطبة لامير المؤمنين
اوصيكم عباد اللّه و اوصي نفسي بتقوى اللّه الذي ابتدأ بدأ الامور بعلمه و إليه يصير غدا ميعادها و بيده فناؤها و فناؤكم و تصرّم أيّامكم و فناء آجالكم و انقطاع مدّتكم فكأن قد زالت عن قليل عنّا و عنكم كما زالت عمّن كان قبلكم، فاجعلوا عباد اللّه اجتهادكم في هذه الدّنيا التزوّد من يومها القصير ليوم الآخرة الطويل فانّها دار عمل و الآخرة دار القرار و الجزاء، فتجافوا عنها فانّ المغترّ من اغترّ بها، لن
(أوصيكم عباد اللّه)
(١) أى آمركم أو أذكركم كذا فى المصباح
(و أوصى نفسى بتقوى اللّه)
(٢) الجار متعلق بالفعلين على سبيل التنازع و التقوى وقاية عن شدائد الدنيا و الآخرة و كثيرا ما يعبر عنها بالطاعة و ان كانت أخص منها فى بعض المواضع كما مرت مرارا
(الّذي ابتدأ بدأ الامور بعلمه)
(٣) البداء الاول الخلق و الايجاد و منه «بدء الخلق» أى خلقهم و أوجدهم أى ابتداء خلق الامور و ايجادها بعلمه المحيط بها المقتضى لاعطاء كل شيء ما أراده من الحقيقة و لوازمها و آثارها و كمالاتها و فيه دلالة على اختياره و حدوث الممكنات
(و إليه يصير غدا معادها)
(٤) كما قال عز و جل، أَلٰا إِلَى اللّٰهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ و المراد بالغد يوم الموت او يوم القيامة و فيه وعد و وعيد و ترغيب فى التقوى و الطاعة و تخويف عن المخالفة و المعصية
(و بيده فناؤها و فناؤكم)
(٥) اليد القدرة و التقديم للحصر و فيه تنبيه على أن الافناء و الاماتة أيضا منه تعالى كما أن الوجود منه و الرجوع إليه فهو أهل لان يتقى منه و يطاع
(فكان قد زالت عن قليل عنا و عنكم كما زالت عمن كان قبلكم)
(٦) أشار به الى قلة مدة العمر و سرعة زوالها و حث بالتشبيه على العبرة بالماضين كيف دخلوا فى الدنيا و مصنوا مسرعين بزوال آجالهم و بقوا مشتغلين بأعمالهم ان خيرا فخيرا و ان شرا فشرا فقدر نفسك كأحدهم
(فاجعلوا عباد اللّه اجتهادكم فى هذه الدنيا التزود من يومها القصير ليوم الآخرة الطويل)
(٧) الفناء للتفريع لان ما بعده كالمعلول للسابق اذ كون الوجود منه و الرجوع إليه و الفناء بيده و سرعة لحوقه يقتضي الاجتهاد فى تحصيل الزاد للآخرة، و فى ذكر القصير تنفير عن الدنيا و تسهيل لتحمل التعب من العمل كما أن فى ذكر الطويل تهويلا من الفقر و الافلاس فيه، و المراد بالزاد الاعمال الصالحة سميت زادا لاحتياج الناس فى البقاء الاخروى إليها كاحتياجهم الى الزاد فى البقاء الدنيوى
(فانها دار عمل)
(٨) و لا عمل بعد الخروج منها
(و الآخرة دار القرار و الجزاء)
(٩) أى المكافاة و فيها يجد كل عامل ما عمل من خير و شر
(فتجافوا عنها)
(١٠) أى عن الدنيا و لا تركنوا إليها و خذوا من هذه الدار الفانية أنواع المعارف و الطاعات للدار الباقية
(فان المغتر من اغتر بها)
(١١) الظاهر أن الاول من الغرة بالكسر و هى الغفلة و الثانى من الغرور و هو الخدعة أى الغافل عن اللّه و عن أمر الآخرة من انخدع بالدنيا و زهراتها فانها تعرض نفسها للراكن إليها حتى تجدد له مطالب وهمية و أمارات خيالية فى تحصيلها فربما