شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١١٣ - حديث عيسى ابن مريم
يا عيسى كن حيث ما كنت مراقبا لى و اشهد على أنّى خلقتك و أنت عبدي و أنّى صوّرتك و إلى الارض أهبطتك.
حيات و عذابها شديد و ماؤها صديد.
(انى احذرك نفسك)
(١) لانها أمارة بالسوء تورد صاحبها موارد العصيان و مواضع الخذلان فتجب مراقبتها فى جميع الاوقات و محافظتها عن التوغل فى المشتهيات و اخذ زمامها بيد الورع و التقوى و صرف عنانها الى الشريعة البيضاء
(فكن بى خبيرا)
(٢) أمره بأن يكون عالما عارفا باللّه و ما أمر به و أوصى بحفظه و ما نهاه عنه و منع من فعله فان ذلك اصل الايمان و رأس مال الانسان به يرتقى الى المقامات العلية و السعادات الابدية.
(يا عيسى كن حيث ما كنت مراقبا لى)
(٣) مراقبته تعالى محافظة القلب له و مراعاته اياه فى السر و العلانية و هى ثمرة العلم بأنه تعالى مطلع على الضمائر و السرائر و البواطن و الظواهر و هذا العلم اذا استقر فى القلب يجذبه الى مراعاته و مراقبته فى جميع الاهوال و ثمرته التعظيم و الاجلال و استغراق القلب بملاحظة الكبرياء و الجلال و انكساره تحت الهيبة و العظمة و الكمال و ترك الالتفات الى المباحات فضلا عن المحظورات و حفظ جميع حركاته و سكناته و لحظاته عن كل طور قبيح و امر شنيع خوفا منه تعالى و تعظيما له و تحرزا من فضيحة يوم القيمة و صرف الظواهر الى الاعمال الخالصة و الافعال الصالحة و ركوب الطريقة الغر او لزوم المحجة البيضاء و هكذا يراقب و يراعى حتى ينتقل من هذه الدار الفانية الى الدار الباقية و يفوز بقرب الحق و يتخلص من ألم الفراق و هو غاية المراد من الكمال اللهم اجعل الصبر عطية نجاتنا و المراقبة لك عدة وفاتنا
(و اشهد على انى خلقتك و أنك عبدى و أنى صورتك)
(٤) فيه تنبيه له على ذكر هذه النعمة و هى خلقه اياه و لم يك شيئا تفضلا و تصويره بصورة حسنة تكريما و على الاقرار بالعبودية المتوقفة على الاتيان بالعبادات فى غاية الخضوع و نهاية التضرع و التذلل و على ترك مخالفته فى أمر من الامور و على المراقبة له و الانقطاع عن الغير فان العاقل اذا تفكر فى أول خلقه الى كمال قوته و فى كيفية انقلاباته من حال الى حال و تحولاته من طور الى طور و فى خواص قواه و أعضائه الظاهرة و الباطنة التى يعجز عن ادراك نبذة منها عقول الاذكياء حصل له معرفة تامة بالخالق المصور المنعم و بعظمته و قدرته و حكمته و هى مقتضية لمراقبته و الرجوع إليه و التوسل به فى جميع الامور و قطع تعلقه بالغير
(و الى الارض أهبطتك)
(٥) باهباط أبيه آدم أو باهباط روحه و الغرض من الاهباط هو التكليف و الامتحان و الاختبار و فيه تنبيه على نفاذ أمره و جربان حكمه على عبده فكما أهبطه بلا تقصير منه من مقام المقربين الى الارض كذلك يهبطه مع التقصير الى اسفل السافلين و تذكير له بموطنه الاولى و مسكنه الاصلى ليرجع إليه بقدم الاشتياق و يتخلص