شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٩٩ - خطبة لامير المؤمنين
ديارهم، ظاعنين على آثارهم و المطايا بكم تسير سيرا، ما فيه أين و لا تفتير، نهاركم بأنفسكم دءوب و ليلكم بأرواحكم ذهوب فأصبحتم تحكون من حالهم حالا و تحتذون من مسلكهم مثالا، فلا تغرنّكم الحياة الدّنيا فانّما أنتم فيها سفر حلول و الموت بكم
تحريك للنفوس العاقلة الى الاستعداد للارتحال و تجهيز سفر الآخرة
(و المطايا بكم يسير سيرا)
(١) المطايا جمع المطية و هى دابة تمطو فى سيرها أى تجد و تسرع، و لعل المراد بها الليل و النهار أو الاعمار على سبيل الاستعارة، و السير يجيء لازما و متعديا يقال سار البعير و سرته و الباء متعلق به اما للتعدية أو للمبالغة فيها كتأكيد السير بالمصدر للمبالغة فيه و إفادة شدته كما أشار إليه
بقوله (ما فيه أين و لا تفتير)
(٢) الاين الاعياء و هو لازم و متعد يقال أعيانى كذا بالالف اتعبنى فاعييت و الفتور لازم و التفتير متعد يقال فتر فتورا من باب قعد اذا انكسر بعد حدة و لان بعد شدة و فتره تقتيرا كسره بعدهما و فيه تنبيه للنازلين فى الدنيا على لزوم خروجهم منها سريعا لان قلة المسافة و سرعة المركوب فى السير مع انتفاء الاعياء و التفتير يستلزم قطع تلك المسافة فى أقرب أوقات المكان، و لا تظن أيها الغافل انك مقيم فان من كانت مطيته الليل و النهار فهو ساير و ان كان واقفا و قاطع للمسافة و ان كان مقيما كما يجد ذلك راكب السفينة و قد أشار الى توضيح ذلك
بقوله (نهاركم بأنفسكم دءوب و ليلكم بأرواحكم ذهوب)
(٣) الظرف فى الموضعين متعلق بما بعده و التقديم لرعاية السجع و الدءوب فعول من الداب و هو الجد فى الامر و الطرد أيضا و لا يخفى على العارف بالسجع بدائع هذا الكلام و لطفه، و العجب من أبناء الدنيا مع حبهم طول عمرهم و بقائهم فيها يتمنون انقضاء الايام و الليالى سريعا بشيء يسير يتوقعون حصوله بعد مدة و لا يعلمون أن انقضائها انقضاء لعمرهم و هذا أيضا من سخافة عقولهم
(فأصبحتم تحكون من حالهم حالا)
(٤) أى صارت حالكم و صفاتكم مثل حالهم و صفاتهم تقول حكيت الشيء أحكيه حكاية اذا أتيت بمثله على الصفة التى أتى بها غيرك فأنت كالناقل و منه حكيت صنعته اذا أتيت بمثلها و هو هنا كالمعارضة بالمثل، و حكوته أحكوه لغة قال ابن السكيت و حكى عن بعضهم أنه قال لا أحكو كلام ربى لا اعارضه
(و تحتذون من سلكهم مثالا)
(٥) الاحتذاء الاقتداء تقول احتذى مثالهم أى اقتدى به و السلك مصدر بمعنى الذهاب تقول سلكت الطريق سلوكا و سلكا اذا ذهبت فيه، و فى بعض النسخ «من مسلكهم» و هو الطريق و المثال بالكسر اسم من ماثله اذا شابهه و قد يطلق على الوصف و الصورة فيقال مثاله كذا أى وصفه و صورته و الجمع أمثلة
(فَلٰا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيٰاةُ الدُّنْيٰا)*
(٦) أى لا تخدعنكم بزينتها يقال غرته الدنيا غرورا من باب قعد اذا خدعته بزينتها و أطمعته بالباطل فاغر هو بها و لما كان المغتر بها هو المحب لها و الراكن إليها و الناسى للموت و ما بعده نبه بما يوجب سلب جميع ذلك
بقوله (فانما أنتم سفر