شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٩٦ - حديث عيسى ابن مريم
عبدي، ابن أمتى أنزلني من نفسك كهمّك، و اجعل ذكري لمعادك و تقرّب إليّ بالنّوافل و توكّل عليّ أكفك و لا توكّل على غيري فأخذ لك.
يا عيسى اصبر على البلاء و ارض بالقضاء، و كن كمسرّتي فيك فانّ مسرّتي
أنزلنى من نفسك كهمك)
(١) النزول من علو الى سفل و يتعدى بالهمزة يقال أنزلته فنزل و أنزلت الضيف فهو نزيل و النزل بضمتين ما يهيئ للضيف و من بمعنى فى، و الهم المراد و المقصود قال ابن فارس الهم ما هممت به و أردته و الكلام من باب التمثيل و التشبيه أى اجعلنى فى نفسك و مرادك و مقصودك و اجعل لى نزلا و هو القيام بوظائف الطاعات فى جميع الحالات و فى قوله «أشهد» أمر له باليقين و فى قوله «عبدى و ابن امتى» ترغيب له فى الاتيان بحق العبودية و الخضوع و الابتهال بين يديه تعالى
(و اجعل ذكرى لمعادك)
(٢) امره بجعل ذكره تعالى قلبا و لسانا خالصا لوجهه لتنفعه بعد العود إليه
(و تقرب الى بالنوافل)
(٣) قد يتقرب العبد إليه عز و جل بالنوافل و القيام بها و الثبات عليها تقربا معنويا و يتصل به اتصالا روحانيا حتى يصير قوله كقوله و فعله كفعله و أمره كأمره فيصدر عنه حينئذ امور غريبة و أفعال عجيبة و فيه تشبيه لقربه بالقرب المكانى للإيضاح
(و توكل على أكفك)
(٤) أمره بالتوكل و ضمن له الكفاية فانه اذا توكل العبد عليه و صرف قلبه إليه و سكن سره و استقر أمره و أعرض عن أمور الدنيا و عكف بين يديه و قام بامتثال أو امره و ترك نواهيه كفاه اللّه تعالى مهمات دنياه و أخراه كما قال فى التنزيل وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّٰهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
(و لا تول غيرى فآخذ لك)
(٥) أى لا تتخذ غيرى وليا ناصرا فآخذ لك و اترك نصرتك و عونك و أكلك الى ذلك الغير و هو لا يقدر على شيء.
(يا عيسى اصبر على- البلاء)
(٦) الصبر على البلاء أمر العقلاء اذ العاقل يعلم ان البلاء جار لا يدفعه الجزع فيصبر و ان الجزع و الاضطراب بلاء على بلاء فيصبر و يحترز عن تضعيفه و ان البلاء يوجب رفع الدرجات على تفاوت مراتبها و الصبر يقتضي الوصول الى أعلاها فيختار الصبر للوصول إليه و أن الصبر مفتاح الفرج فيصبر طلبا له و لما لم يكن الصبر على البلاء موجبا للرضاء به أمره به فقال
(و أرض بالقضاء)
(٧) القضاء الامر و الحكم و الخلق على وفق التقدير الازلى فالقدر بمنزلة الاساس و القضاء بمنزلة البناء و هو اقبال القلب الى الواردات من الحق و تلقيها بالقبول و السرور بها لكونه هدية منه تعالى ثم الرضاء و السرور بالواردات المحبوبة للنفس مثل الصحة و السعة سهل عليها لانها موافقة لطبعها و اما الرضا بالواردات المكروهة فمشكل و يمكن دفعه بان الرضاء ثمرة المحبة البالغة و محبة العبد للرب اذا بلغت حد الكمال يمكن أن يرجح ارادته على إرادة نفسه بل يمكن أن لا يرى لنفسه مرادا غيره تعالى لاستغراقه فى بحر المحبة
(و كن كمسرتى فيك فان