شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٠٧ - حديث عيسى ابن مريم
في العمل الصّالح، فكم من مجلس قد نهض أهله و هم مجارون من النّار.
يا عيسى ازهد في الفاني المنقطع وطأ رسوم منازل من كان قبلك فادعهم و ناجهم هل تحسّ منهم من أحد و خذ موعظتك منهم، و اعلم أنّك ستلحقهم في اللّاحقين، يا عيسى قل لمن تمرّد على بالعصيان و عمل بالادّهان ليتوقّع عقوبتى و ينتظر
محاسبة النفس.
(فيه اجزى بالحسنة أضعافها)
(١) ضعف الشيء مثله و ضعفاه مثلاه و أضعافه أمثاله و ليس للزيادة قدر معين يضاعف لمن يشاء على ما يشاء أضعافا مضاعفة كما نطق به بعض الروايات و فيه حث على العبادة لان الفاعل اذا علم أنه يعطى بعمله زائدا عما يستحقه يجتهد فيه
(و ان السيئة توبق صاحبها)
(٢) أى تهلكه فى الدنيا و الآخرة و تورثه عقوبة شديدة و فيه حث على تركها لان العاقل اذا علم أن الشيء يضره أو يهلكه يجتنبه و يفر منه
(فامهد لنفسك فى مهلة)
(٣) من عمرك) مهده كمنعه كسب و عمل
(و نافس فى العمل الصالح)
(٤) و هو الخالص من المفسدات و المنقصات و المنافسة فى العمل الرغبة و الاجتهاد فيه على وجه الغلبة كما مر
(فكم من مجلس قد نهض أهله و هم مجارون من النار)
(٥) أى منقذون منها لاشتغالهم بما يوصلهم الى رحمة الرب و مقام القرب و هذا فى المعنى أمر بحفظ المجلس عما لا يجوز شرعا و الاشتغال فيه بما ينفع فى الآخرة.
(يا عيسى ازهد فى الفانى المنقطع)
(٦) و هو الدنيا و متاعها و عبر عنها به تصريحا بفنائها و انقطاعها و تنبيها على أن العاقل لا ينبغى أن يعلق قلبه بالفانى المنقطع بل ينبغى أن يزهد فيه بحذف كل شاغل عن التوجه الى اللّه سبحانه و تنحية كل ما سواه عن سنن الايثار فان ذلك أقوى أسباب السلوك الى العزيز الغفار و أعظم نهج للصعود الى درجات الابرار و الدخول فى مقامات السابقين الذين هم أولياء اللّه تعالى و الواصلون الى ساحة قربه
(وطأ رسوم منازل من كان قبلك)
(٧) الرسوم جمع الرسم و هو الاثر
(و ادعهم و ناجهم)
(٨) المناجى المخاطب للانسان المحدث له
(هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ)
(٩) الاستفهام للانكار
(و خذ موعظتك منهم و اعلم انك ستلحقهم فى اللاحقين)
(١٠) أحوال السابقين واعظة بلسان الحال لمن نظر إليها و هى عبرة لاولى الابصار و محل العظة و الاعتبار ما كانوا فيه من نعيم الدنيا و لذاتها و المباهات من كثرة قنياتها ثم مفارقتهم لذلك كله بالموت و بقاء منازلهم خربة أو مسكونة لغيرهم و صيرورة نفوسهم ساكنة و ألسنتهم صامتة بحيث لا يسمع الداعى لهم جوابا و لا المناجى لهم خطابا و بقاء الحسرة و الندامة للمستكبرين منها حجبا حائلة بينهم و بين الوصول الى حضرة جلال اللّه فان من تفكر فى هذا و علم أنه سيلحقهم فى اللاحقين و يمضى عقب الماضين و تصير حاله كحالهم و مآله كمآلهم حصلت له ملكة الزهد فى الدنيا و بواعث الرجوع الى الآخرة و اللّه يهدى من يشاء الى صراط مستقيم.
(يا عيسى قل لمن تمرد على بالعصيان و عمل بالادهان)
(١١) الادهان مصدر من باب الافعال