شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٢ - حديث الرّجل الشامي مع أبي جعفر
سلّط الريح علي الماء فشققت الريح متن الماء حتّى ثار من الماء زبد على قدر ما شاء
قال «أول ما خلق اللّه روحى» و عنه أيضا «أول ما خلق اللّه العقل» و لا منافاة بين هذه الروايات لان هذه الثلاثة متحدة بالذات مختلفة بالحيثيات اذ هذا المخلوق الاول من حيث أنه ظاهر بذاته و مظهر لظهور [١] وجودات غيره و فيضان الكمالات من المبدأ عليها سمى نورا و من حيث أنه حي و بسببه حياة كل موجود سمى روحا و من حيث أنه عاقل لذاته و صفاته و ذوات سائر
[١] قوله «من حيث أنه ظاهر بذاته و مظهر لظهور- اه» كلام دقيق مبنى على اصول عقلية و نقلية و حاصله أن أول صادر من الواجب تعالى فى السلسلة الطولية أعنى العلل و المعلولات أشرف المخلوقات مطلقا لكونه أقرب الى الواجب تعالى و ليس الا روح خاتم الأنبياء (صلى اللّه عليه و آله) و هو نور لتحقق معناه فيه و كونه ظاهرا بذاته و مظهرا لغيره و هو عقل لتقدم العقل على الجسم فى مذهب الالهيين بخلاف الماديين فان العقل عندهم فرع الجسم اذ ليس الادراك و الشعور عندهم الا عرضا من عوارض المادة و تركيب العناصر فلا بد عندهم من وجود الجمادات مقدما على العقل و لو لا تركيب الابدان و وجود الدماغ لم يكن فكر و لا عقل عندهم و أما عند الالهيين فالموجودات العاقلة مستقلة عن الجسم قائمة بذاتها و الجسم مركب محتاج الى موجود عاقل غير جسمانى يحفظ أجزاءه و يقيمها كما ثبت فى محله و اما كون الماء اوّل المخلوقات فالمراد منه أول موجود جسمانى لا أول الموجودات مطلقا كما علم مما مر و اعلم أن الامام (عليه السلام) جرى هاهنا على اصطلاح الناس فى ذلك العصر فان العناصر عندهم كانت منحصرة فى أربعة الماء و الهواء أى الريح، و النار، و الارض و بين (عليه السلام) أن الاصل هو- الماء و الثلاثة الاخرى مولدة منه و هو رأى ثاليس الملطى من قدماء اليونانيين و قال بعضهم ان الاصل هو الهواء و بعض انه النار و بعض انه الارض و مقتضى كلام غيرهم أن العناصر الاربعة كل أصل بنفسه لم يكن احد منها مشتقا من الاخر لمناسبات و استحسانات رأوها أحسن و لم يدع احد منهم الظفر بما يوجب اليقين و سلكوا فى عددها مسلك الفقهاء حيث ينفون ما لم يثبت دليل على وجوده بأصالة العدم و استصحاب العدم الازلى مثلا قالوا لم يتبين لنا كون الماء مركبا من عناصر مختلفة فالاصل عدمها فيكون الماء عنصرا بسيطا و لم يتبين لنا وجود عنصر بسيط غير الاربعة فالاصل عدم بسيط غيرها و كذلك فى زماننا يعدون عناصر كثيرة لم يظهر لهم تركيبها فالتزموا ببساطتها و عددها نحو من مائة عنصر كلما ظفروا بعنصر جديد زادوه عليها و لا فائدة دينية فى تحقيق ذلك و تشخيصها الا أن يعلم بوجه كلى أن كل شيء انما يوجد بتأثير مشيئة اللّه و قدرته و كون العنصر الاصلى اوسط فى القوام أظهر فى العقل لان الجامد كالارض لا يسهل تشكله بالصور المختلفة و الفلزات لا يصنع الا بعد الذوب و الريح مائلة الى الحركة و التفرق و لا يقبل التشكل و الضبط و الاولى بقبول التغير و حفظ الشكل فى الجملة هو المائع و هذا المقدار يكفى فى تصور تغيير الاشياء من صورة الى صورة و ليس المقام لتحقيق الامور الطبيعية حتى يحتاج الى تفصيل اكثر و الانسان مفطور على ارجاع الكثرات الى الواحد ليكون أول صادر من الواجب واحدا كما قالوا الواحد لا يصدر منه الا الواحد يعنى فى المرة الاولى لذلك اطمئن السائل لما سمع من الامام ارجاع كل المواليد الى واحد هو الماء (ش).