شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٩٣ - حديث عيسى ابن مريم
[في زهد النبيّ (صلى اللّه عليه و آله) و تواضعه أيضا]
١٠٢- سهل بن زياد، عن ابن فضّال، عن عليّ بن عقبة، عن عبد المؤمن الأنصاريّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): عرضت عليّ بطحاء مكة ذهبا فقلت: يا ربّ لا و لكن أشبع يوما و أجوع يوما فاذا شبعت حمدتك و شكرتك و إذا جعت دعوتك و ذكرتك.
حديث عيسى ابن مريم (عليهما السلام) [ «فيما ناجى اللّه عزّ و جلّ عيسى ابن مريم (عليهما السلام)»]
١٠٣- عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عليّ بن أسباط عنهم (عليهم السلام) قال:
فيما وعظ اللّه عزّ و جلّ به عيسى (عليه السلام):
يا عيسى أنا ربّك و ربّ آبائك، اسمي واحد و أنا الأحد المتفرّد بخلق كلّ
لانه رفيق بعباده من الرفق و الرأفة و فيه أن لفظ فى يأباه فى الجملة الا أن يكون بمعنى الباء أو الى أو يقدر بعده الجوار أو الرحمة.
(عرضت على بطحاء مكة ذهبا)
(١) البطحاء و الابطح مسيل واسع فيه دقاق الحصى و قد يطلق على تلك الدقاق
(فقلت يا رب لا)
(٢) أى لا أريد
(و لكن أشبع يوما و أجوع يوما)
(٣) أى أفطر يوما و أصوم يوما أو أشبع يوما و لا أشبع يوما
(فاذا شبعت حمدتك)
(٤) فيه ارشاد الى الحمد و الشكر بعد النعمة و الدعاء و الذكر عند الجوع و الحاجة الى الغذاء و منه يظهر بعض فوائد الجوع و قد ذكرنا كثيرا منها فى الاصول.
(حديث عيسى بن مريم (عليهما السلام))
(٥) ذكر فيه من فضائل الاخلاق و جلائل الاوصاف و شرائف الصفات و لطائف الحالات ما يعجز عن ذكر وصفه الواصفون و عن ادراك كنهه العارفون
(قال فيما وعظ اللّه تعالى به عيسى (عليه السلام))
(٦) أى أوصاه به و أمره بحفظه، و الوعظ تذكير مشتمل على زجر و تخويف و حمل على طاعة اللّه تعالى بلفظ يرق له القلب
(يا عيسى أنا ربك و رب آبائك)
(٧) الرب فى الاصل مصدر بمعنى التربية و هى تبليغ الشيء من حد النقص الى حد الكمال على سبيل التدريج، ثم أطلق على المالك و السيد و هو منكرا بلا اضافة مختص بالواجب و كذا المعرف باللام اذا كان بمعنى المالك لان اللام للعموم و المخلوق لا يملك جميع المخلوقات و قدم هذا الوصف لدلالته على أفضل النعماء و هو الايجاد و التربية و فيه ترغيب على اداء حقوق الربوبية
(اسمى واحد)
(٨) اذ لا تركيب فيه اصلا لا ذاتا و لا صفة و كل ما سواه و ان كان بسيطا فهو مركب اما بحسب الصفات و من ثم قيل لا وحدة فى عالم الامكان
(و انا الاحد)
(٩) اذ لا شريك له فى ذاته و صفاته و الوجوب و القدم و غيرها
(المتفرد بخلق كل شيء)
(١٠) اذ لا شريك له فى فعله و يستثنى منه ذاته تعالى و أفعال العباد و فيه رد على من زعم أنه واحد لا يصدر عنه الا واحد و ان خلق البواقى مستند الى العقول [١] و من زعم أن صفاته الذاتية
[١] قوله «و ان خلق البواقى مستند الى العقول». شبهة راسخة فى أذهان بعض الناس لا يكتنه العلماء غورها لبعد أذهانهم عن اذهان الناس فرب أمر يتمسكون به و يبنون عليه من غير أن يعثر احد على وجهه و لا ريب أن لا مؤثر فى الوجود الا اللّه تعالى و أن سلسلة الاسباب ينتهى الى واجب الوجود بالذات لامتناع التسلسل و لم يتردد فيه أحد الا الملاحدة المنكرون للعقول و لكل موجود غير جسمانى فنسبة الفعل و التدبير الى العقول كنسبة الخلق الى عيسى (عليه السلام) حيث قال تعالى وَ إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ... فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي فكما أن نسبة الخلق الى عيسى (عليه السلام) ليست مردودة باطلة بقوله «المتفرد بخلق كل شيء» لان كل فاعل واسطة فى ايصال الفيض من اللّه تعالى الى سائر الممكنات كذلك نسبة الفعل الى العقل أو الى الملائكة الموكلين كنسبة أثارة السحاب الى الريح فى قوله تعالى يُرْسِلُ الرِّيٰاحَ فَتُثِيرُ سَحٰاباً ليست مردودة بخلق كل شيء، و لا أدرى كيف يكون نسبة الافعال الى الاسباب الطبيعية كالحرارة الى النار و الضوء الى الشمس و الشفا الى الدواء غير مخالفة للتوحيد و يكون نسبة الفعل الى العقول مخالفة، الا أن يكون الرجل ماديا ينكر وجود المجردات أو وهابيا ينكر تأثير غير الاسباب الطبيعية كالقبور و الارواح و التربة المقدسة و الخواتيم المنقوشة و ليس ذلك كله مما يخفى على الشارح (رحمه اللّه) و كانه أراد بذلك رد بعض المبتدءين فى الفلسفة و كانوا كثيرين فى عصره يأخذون بأصل و يتركون أصولا يبينون فعل العقول بيانا يظهر منه التفويض و يغفلون عن قول- الحكماء «لا مؤثر فى الوجود الا اللّه تعالى» و اللّه الهادى. (ش)