شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٣١ - حديث عيسى ابن مريم
فارتد لنفسك. يا عيسى انّ الدّنيا حلوة و انّما استعملتك فيها فجانب منها ما حذّرتك و خذ منها ما أعطيتك عفوا، يا عيسى انظر فى عملك نظر العبد المذنب الخاطئ و لا تنظر فى عمل غيرك بمنزلة الريب كن فيها زاهدا و لا ترغب فيها فتعطب.
يا عيسى اعقل و تفكّر و انظر فى نواحى الارض كيف كان عاقبة الظالمين. يا عيسى
دللتك عليه)
(١) و هديتك إليه فخذها أليك
(و كل ما يباعدك منى فقد نهيتك عنه فارتد لنفسك)
(٢) اى اطلب لنفسك ما هو خير لك من هذين الامرين، و ارتد أمر من الارتياد و هو طلب الشيء بالتفكر فيه مرة بعد اخرى كالرود و الرياد و منه المراودة.
(يا عيسى ان الدنيا حلوة)
(٣) الحلو بالضم نقيض المر أشار به الى وجه اغترار الناس بالدنيا و انخداعهم منها لحلاوة متاعها و زهراتها بادى نظرهم فمالت إليها نفوسهم و اما عند أولى الابصار فهى مخلوطة بالاكدار أو آيلة إليها و ما من أحد يتعرض لها الا و يجدها متضمنة لمكاره شديدة و يجد فى حلاوتها مرارة كما اشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) فى ذمها
(و قد أمر)
(١٢) أى صار مرا منها ما كان حلوا و كدر منها ما كان صفوا
(و انما استعملتك فيها)
(٤) أى طلبت العمل منك فيها للآخرة
(فجانب منها ما حذرتك منه)
(٥) لانه مع كونه معصية موجبة للبعد عن سبيل الحق و العمل للآخرة
(و خذ منها ما أعطيتك عفوا)
(٦) أى بغير مسئلة تقول اعطيته عفوا اى بغير مسئلة و هو دليل على كمال العناية و الشفقة و ترغيب فى الاخذ به.
(يا عيسى انظر فى عملك نظر العبد المذنب الخاطى)
(٧) أى كما أن ذلك العبد ينظر فى ذنبه و يتذلل و يتملق عند مولاه لعله يتجاوز عن تقصيره فانظر أنت أيضا فى عملك وعد نفسك مقصرة فيه و تذلل عند مولاك الحق طلبا للتجاوز عن تقصيرك
(و لا تنظر فى عمل غيرك بمنزلة الريب)
(٨) أى الشك و التهمة فى تقصيره فيه بل ظن انه اتى به بقدر الامكان و فى بعض النسخ «بمنزلة الرب» اى بمنزلة المربى و المتمم له باعتقاد النقصان فيه و هذا قريب مما روى «أن من خصال العاقل أن يرى الناس كلهم خيرا منه و أنه شرهم فى نفسه
(فكن فيها زاهدا، و لا ترغب فيها فتعطب)
(٩) أصل الرغبة فيها سبب للرغبة عن الآخرة خصوصا اذا كانت الرغبة مع لوازمها مثل صرف العمر فيما لا يعنى و تشتت القلب و قساوته و طول الامل و الغفلة عن الحق و غيرها من الرذائل اللازمة للدنيا و كل ذلك يوجب العطب و خسران الابد.
(يا عيسى اعقل و تفكر)
(١٠) العقل الادراك تقول عقلت الشيء عقلا من باب ضرب اذا أدركته و تدبرته و من باب تعب لغة ثم اطلق على المدرك بالكسر و لهذا قال بعض الناس العقل غريزة يتهيأ به الانسان الى فهم الخطاب و التفكر تردد القلب بالنظر و التدبر و الرؤية لطلب معرفة الشيء أوله و آخره و حسنه و قبحه و نفعه و ضره و خيره و شره
(و انظر فى نواحى الارض كيف