شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٢٢ - حديث عيسى ابن مريم
أم عليّ تجترون، تطيبون بالطيب لأهل الدّنيا و أجوافكم عندى بمنزلة الجيف المنتنة كانّكم أقوام ميّتون.
يا عيسى قل لهم: قلّموا أظفاركم من كسب الحرام و أصمّوا أسماعكم عن ذكر الخنا و أقبلوا عليّ بقلوبكم فانّي لست اريد صوركم.
يا عيسى افرح بالحسنة فانّها لي رضى، و ابك على السيّئة فانّها شين و ما لا
القبيحة و الاخلاق الذميمة و قد وجب تطهيرها عن هذه الصفات الرذيلة و تزيينها بالاخلاق الجميلة لان القلب أشرف أعضاء الانسان و عرش الرحمن و موضع نوره و سره و معدن حكمه و ذكره و قد أمر سبحانه بذلك فمن بدله بما ذكر فهو مغرور جرى كما أشار إليه
بقوله (ابى تغترون أم على تجترون)
(١) الاغترار خدعه كردن و فريب دادن و نمودن باطل را بصورت حق و الاجتراء دليرى كردن فكانه بهذه الصفة اما مخادع أو جرى محارب مع ربه و فيه وعيد عظيم لهم ليذكروا و يرجعوا تطيبون بالطيب لاهل الدنيا و أجوافكم عندى بمنزلة الجيف المنتنة توبيخ لهم فى ازالة نتن ادناس الظواهر بالطيب و العطر للناس و ترك ازالة نتن امراض القلوب بأدويتها للّه مع أنه أقرب إليها منهم الى الظواهر و ما ذلك الا لتعظيمهم و تحقيره تعالى كانكم أقوام ميتون فى النتن أو بعدم الانتفاع بالزواجر و النصائح
(يا عيسى قل لهم قلموا أظفاركم من كسب الحرام)
(٢) قلمت الظفر قلما من باب ضرب قطعته و أخذته و قلمته بالتشديد مبالغة و تكثير فى الاجتناب عن كسب الحرام و الاحتراز منه لانه يسود القلب و يبعد عن الرب و يورث العقوبة فى الدنيا و الآخرة
(و اصموا اسماعكم عن ذكر الخنا)
(٣) زجرهم عن استماع الكلام الفاحش لكونه معصية و مانعة عن ذكر اللّه و مسودا للقلب مفسدا له قال اللّه تعالى فى التنزيل فى وصف قوم صالحين وَ إِذٰا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرٰاماً ... وَ إِذٰا خٰاطَبَهُمُ الْجٰاهِلُونَ قٰالُوا سَلٰاماً
(و اقبلوا على بقلوبكم)
(٤) لكل عضو اقبال و ادبار «اقباله هو الاتيان بما هو مطلوب منه و ادباره هو الاتيان بضده و انما خص اقبال القلب بالطلب لان القلب أشرف الاعضاء و أكمل فاقباله و هو تذكر الرب و عدم الغفلة عنه أشرف و أفضل و لان اقباله مستلزم لاقبال غيره من الاعضاء
(فانى لست اريد ضرركم)
(٥) ترغيب فى قبول النصيحة لان المنصوح اذا علم شفقة الناصح و بعد نصحه عن الغش و الضرر يقبل على قبوله
(يا عيسى افرح بالحسنة فإنها لي رضا)
(٦) دل على أن الفرح و السرور بالحسنة من حيث أنها حسنة موافقة لرضاه تعالى ليس بعجب بل هو أيضا حسنة و لذلك أمر به و انما العجب أن يسر بها من حيث أنه عمل بلغ به حد الكمال و خرج عن حد التقصير وفاق العابدين بالمنزلة الرفيعة عنده تعالى
(و أبك على السيئة فانها شين)
(٧) البكاء على السيئة حسنة رافعة لها و هو افضل العبادات للمذنبين و ما لا تحب أن يصنع بك فلا تصنعه بغيرك هذا من لوازم العدل و الانصاف و حسن المخالطة