العروة الوثقى مع تعليقات - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٠ - فصل في الحجّ الواجب بالنذر و العهد و اليمين
الأصل [١]؛ و ربما يورد عليه بمنع كونه واجباً ماليّاً، و إنّما هو أفعال مخصوصة بدنيّة و إن كان قد يحتاج إلى بذل المال في مقدّماته، كما أنّ الصلاة أيضاً قد تحتاج إلى بذل المال في تحصيل الماء و الساتر و المكان و نحو ذلك.
و فيه: أنّ الحجّ في الغالب محتاج إلى بذل المال، بخلاف الصلاة و سائر العبادات البدنيّة، فإن كان هناك إجماع أو غيره على أنّ الواجبات الماليّة [تخرج] من الأصل، يشمل الحجّ قطعاً.
و أجاب صاحب الجواهر بأنّ المناط في الخروج من الأصل كون الواجب دَيناً و الحجّ كذلك، فليس تكليفاً صرفاً كما في الصلاة و الصوم، بل للأمر به جهة وضعيّة، فوجوبه على نحو الدينيّة بخلاف سائر العبادات البدنيّة، فلذا يخرج من الأصل، كما يشير إليه بعض الأخبار الناطقة بأنّه دين أو بمنزلة الدين.
قلت: التحقيق [٢] أنّ جميع الواجبات الإلهيّة ديون للّه تعالى؛ سواء كانت مالًا أو عملًا ماليّاً أو عملًا غير ماليّ، فالصلاة و الصوم أيضاً ديون للّه و لهما جهة وضع، فذمّة المكلّف مشغولة بهما و لذا يجب قضاؤهما، فإنّ القاضي يفرغ ذمّة نفسه أو ذمّة الميّت، و ليس القضاء من باب التوبة أو من باب الكفّارة، بل هو إتيان لما كانت الذمّة مشغولة به. و لا فرق بين كون الاشتغال بالمال أو بالعمل، بل مثل قوله: للّه علىّ أن اعطي زيداً درهماً، دين إلهيّ لا خلقيّ [٣] فلا يكون الناذر مديوناً لزيد، بل هو مديون للّه بدفع الدرهم لزيد، و لا فرق بينه و بين أن يقول: للّه علىّ أن أحجّ أو أن اصلّي ركعتين، فالكلّ دين اللّه، و دين اللّه أحقّ أن
[١] الگلپايگاني: و هذا هو الأقوى، لكن لا لما ذكر، بل لأنّ معنى قول الناذر: «للّه علىّ كذا» هو التعهّد للّه تعالى بإتيان المنذور على أن يكون العمل ديناً على عهدته، و ما يدلّ على وجوب الوفاء به يدلّ على وجوب وفاء هذا الدين، و المناط في الخروج من الأصل هو كون الواجب ديناً و ذلك هو السبب لخروج حجّة الإسلام من الأصل، حيث تستظهر الدينيّة من قوله تبارك و تعالى: «و للّه على الناس حجّ البيت»؛ و معنى قوله عليه السلام: «دين اللّه أحقّ أن يقضى» أنّ الدائن إذا كان هو اللّه- عزّ و جلّ- فأداء هذا الدين أحقّ، و لا يدلّ على أنّ كلّ واجب دين؛ فالدينيّة لا بدّ و أن تستظهر من دليل الواجب، خلافاً لما حقّقه قدس سره
[٢] الامام الخميني: هذا التحقيق غير وجيه؛ نعم، في خصوص الحجّ و النذر يمكن استفادة الدينيّة من قوله تعالى: «للّه على الناس» و من قول الناذر: «للّه علىّ»، و إطلاق الدين على الحجّ بهذا الاعتبار ظاهراً لا باعتبار مجرّد التكليف، فالأقوى عدم خروج الواجبات الغير الماليّة من الأصل
[٣] الگلپايگاني: هذا في النذر صحيح، لما استظهرنا دينيّته، و كذا حجّة الإسلام؛ و لا يقاس بهما سائر الواجبات