العروة الوثقى مع تعليقات - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٨ - فصل في الحجّ الواجب بالنذر و العهد و اليمين
حجّة الإسلام من بلد كذا فخالف، فإنّه يجزيه عن حجّة الإسلام و وجب عليه الكفّارة لخلف النذر.
مسألة ٨: إذا نذر أن يحجّ و لم يقيّده بزمان، فالظاهر جواز التأخير [١] إلى ظنّ الموت أو الفوت، فلا يجب عليه المبادرة إلّا إذا كان هناك انصراف، فلو مات قبل الإتيان به في صورة جواز التأخير لا يكون عاصياً، و القول بعصيانه [٢] مع تمكّنه في بعض تلك الأزمنة و إن جاز التأخير، لا وجه له [٣]. و إذا قيّده بسنة معيّنة، لم يجز التأخير مع فرض تمكّنه في تلك السنة، فلو أخّر عصى و عليه القضاء [٤] و الكفّارة [٥]، و إذا مات وجب قضاؤه عنه، كما أنّ في صورة الإطلاق إذا مات بعد تمكّنه منه قبل إتيانه وجب القضاء عنه؛ و القول بعدم وجوبه بدعوى أنّ القضاء بفرض جديد ضعيف، لما يأتي.
و هل الواجب القضاء من أصل التركة أو من الثلث؟ قولان [٦]؛ فذهب جماعة إلى القول
[١] الخوئي: الظاهر عدم جواز التأخير ما لم يكن مطمئنّاً بالوفاء
الگلپايگاني: مشكل، بل لا يبعد لزوم التعجيل عقلًا؛ نعم، لا يفوت بالتأخير
مكارم الشيرازي: و هو الحقّ و إن قلنا بدلالة الأمر على الفور كما هو المختار،
و ذلك لأنّ وجوب الوفاء بالنذر فوراً ثابت و لكنّ النذر يتبع نظر الناذر، فإن كان
نذره مضيّقاً وجب العمل به فوراً و إن كان موسّعاً فلا و إن كان مبهماً فالظاهر
أيضاً جواز التأخير، لأنّ التضييق هو الّذي يحتاج إلى الدليل
[٢] الگلپايگاني:
يعني فيما لو مات قبل الإتيان به
[٣] الگلپايگاني: قد مرّ الإشكال في جواز
التأخير؛ و لعصيانه وجه وجيه
[٤] الخوئي: وجوب قضاء الحجّ المنذور الموقّت و غير
الموقّت مبنيّ على الاحتياط، و الأظهر عدم الوجوب، إذ لا دليل عليه؛ و دعوى أنّه
بمنزلة الدين فيخرج من الأصل لم تثبت، فإنّ التنزيل إنّما ورد في نذر الإحجاج و قد
صرّح فيه بأنّه يخرج من الثلث، و أمّا ما ورد من إطلاق الدين على مطلق الواجب كما
في رواية الخثعميّة فلا يمكن الاستدلال به، لضعف الرواية سنداً و دلالةً؛ و بذلك
يظهر الحال إلى آخر المسألة
[٥] مكارم الشيرازي: أمّا الكفّارة فواضح، لتحقّق
الحنث؛ و أمّا القضاء فهو و إن كان بأمر جديد، إلّا أنّه المشهور في كلماتهم، بل
لعلّه اسند إلى قطع الأصحاب، و المستند فيه غير واضح، و لكن لا يُترك الاحتياط فيه
[٦] مكارم الشيرازي: الأحوط هو الإخراج من الأصل مع إحراز رضى سائر الورثة إذا
كانوا كباراً، كما حكي عن أكثر الأصحاب بل نسب إلى قطعهم (راجع الجواهر ج ١٧ ص
٣٤٠، حكاهما عن «المدارك» و «كشف اللثام»). و قد يستدلّ على وجوبه من الأصل، تارةً
بأنّه مقتضى القاعدة و اخرى بأنّه مقتضى روايات الباب؛
أمّا الأوّل، فقد ذكر في المتن له طريقين:
أحدهما أنّ الحجّ من الواجبات الماليّة، و كلّ واجب مالي يخرج من الأصل بالإجماع؛ و لكنّه يمكن الخدشة فيه صغرى و كبرى، كما لا يخفى.
و اخرى بأنّه دَين، و كلّ دَين يجب أداؤه من أصل التركة؛ و هو و إن كان صحيحاً بحسب الكبرى، و لكنّ الكلام بعد في صغراه، فإنّه لا دليل على أنّ كلّ التكاليف الشرعيّة ديون إلهيّة أو خصوص الحجّ و النذر من الديون أي الدين بمعناه الحقيقيّ، لما في قوله تعالى: «للّه على الناس» و لما في صيغة النذر «للّه علىّ» و ذلك لأنّ اللام أعمّ من الملكيّة، و مجرّد اشتغال الذمّة بالتكاليف لا يدلّ على كون الاشتغال من قبيل الدين. و الحاصل أنّ الواجبات تكاليف إلهيّة، و فرق بين اعتبار التكليف و اعتبار الدين؛ فإتمام المسألة، أعني القول بأنّ قضاء النذر من صلب المال من طريق القواعد مشكل جدّاً.
فالدليل عليه منحصر بما ورد في الأخبار من رواية «مسمع بن عبد الملك»، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: كانت لي جارية حبلى فنذرت للّه تعالى إن هي ولدت غلاماً أن أحجّه أو أحجّ عنه؛ فقال: «إنّ رجلًا نذر للّه في ابن له إن هو أدرك أن يحجّه أو يحجّ عنه فمات الأب و أدرك الغلام بعد فأتى رسول اللّه صلى الله عليه و آله فسأله عن ذلك، فأمر رسول اللّه صلى الله عليه و آله أن يحجّ عنه ممّا ترك أبوه» (الوسائل ج ١٦ من أبواب النذر- الحديث ١) و الرواية معتمد عليها، إمّا لعمل المشهور بها كما عرفت، أو لتوثيق مسمع كما عن الكشّي، و لكنّ المصرّح به في كلمات كثير منهم أنّ الرواية غير معمول بها من جهة ذيلها، فإنّ الشرط و هو إدراك الغلام إنّما حصل بعد وفاة الأب، و من المعلوم أنّ الوفاء بالنذر إنّما يجب إذا حصل الشرط في حياة الإنسان لا بعد مماته، فعلى هذا لا يجب الحجّ و لا الإحجاج إذا حصل الشرط بعد الموت، فكيف يمكن الحكم بوجوب الحجّ على الغلام ممّا ترك أبوه؟ و يمكن حمله على الاستحباب، و حينئذٍ يشكل الاعتماد على صدره أيضاً فيشكل الحكم في المسألة، لعدم الدليل على وجوب القضاء من الأصل و لا من الثلث بحسب القواعد و لا بحسب الأدلّة الخاصّة، إلّا إذا أوصى بذلك فيخرج من ثلثه؛ و لكن مع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط بإخراجه من الأصل مع إحراز رضى سائر الورثة. و قد تعارض رواية «مسمع» بروايتي «ضريس و ابن أبي يعفور» (الوسائل ج ٨ الباب ٢٩ من أبواب وجوب الحجّ- الحديث ١ و ٣) و لكن يرد عليهما أنّ ما اشتمل عليه هاتان الروايتان من الإخراج من الثلث بدون الوصيّة لا يوافق القواعد و لا روايات أبواب الوصيّة، و حمله على النذر في حال مرض الموت مع القول بكون المنجّزات من الثلث لا شاهد له أصلًا، مضافاً إلى تناقض صدر رواية «ضريس» مع ذيله، لأنّ ذيلها يصرّح بأنّه مثل الدين و لازمه الخروج من الأصل مع حكمه بإخراجه من الثلث في صدره