العروة الوثقى مع تعليقات - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٣ - فصل في فضل الحجّ
كتاب الحجّ
[فصل في فضل الحجّ]
[فصل في فضل الحجّ]
الّذي هو أحد أركان الدين و من أوكد فرائض المسلمين [١]؛ قال اللّه تعالى: «و للّه على [٢] مكارم الشيرازي: و قد أشار في المتن إلى بعض مثوباته و بعض عقوبات التارك له. و ينبغي أن يلاحظ إلى جنب هذه المثوبات العظيمة الجليلة، العلل الّتي لأجلها شرّع الحجّ ثمّ العمل بما يقرّب الحاجّ إلى تحصيلها و الوصول إلى مغزاها، فقد قال اللّه تعالى: «ليشهدوا منافع لهم» فما هذه المنافع؟ و هي كثيرة اشير إليها في روايات المعصومين عليهم السلام؛ منها: تربية النفوس و تهذيب الأخلاق و تحكيم مباني التقوى و الخلوص و الخروج عن الذنوب كيوم ولدته امّه، و التهيّؤ لتركها في مستقبل أيّامه. و هذا من أعظم منافع الحجّ و أهمّ فوائده و بركاته، و لا يحصل ذلك إلّا بذكرى أسرار هذا التشريع العظيم وفق ما ورد في روايات المعصومين: و يشهد به تاريخ شيخ الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام فإنّه المؤسّس له بأمر من اللّه تعالى، و كثير من أفعال الحجّ حاكية عن وقفات حياته و مسيره إلى ربّه و الاندفاع إلى طاعته و قبول بلائه. فلو أنّ عبداً خرج إلى الحجّ عالماً بهذه الأسرار الخفيّة ملازماً لما يقتضيها مجاهداً مخلصاً وافداً إلى اللّه، لأثّر الحجّ في نفسه أثراً لا يزول إلى آخر عمره و طيلة حياته، و يطهره طهارة تبقى إلى يوم يلقى ربّه. و إلى جانب تأثير الحجّ في طهارة النفوس و تزكية الأرواح أثره السياسيّ القويّ في تحكيم الدين و عزّ المسلمين و مزيد شوكتهم و توحيد كلمتهم و جعلهم في مقابل الأعداء صفّاً واحداً كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ، مع ما فيه من النظر في مشاكل المسلمين و ما ابتلوا به من الأعداء و كشف طرق دفعهم و تحصيل العِدّة و العُدّة في مقابلهم، فإنّ الحجّ موقف كبير لا نظير له في الدنيا، و قد كان نبيّنا صلى الله عليه و آله يغتنم هذه الفرصة الكريمة لدفع الشرك و الضلال و قصم ظهر أهل النفاق و الشقاق. و من المؤسف جدّاً أنّ المسلمين لا ينتفعون من الحجّ من هذه الناحية، بل و لا من الناحية الأخلاقيّة، بل يكتفون بظواهر منه و بقي الحجّ بين كثير منهم كجسد لا روح فيه و بنيان لا أهل له و كفاك في ذلك ما قاله مولانا أمير المؤمنين عليه السلام عند بيان أسرار الأحكام: «فرض اللّه الإيمان تطهيراً من الشرك و الصلاة تنزيهاً عن الكبر ... و الحجّ تقربة للدين أو تقوية للدين» (نهج البلاغة: الحكمة ٢٥٢) و قد يقال الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام فيما رواه عنه الفضل بن شاذان في حديث قال: إنّما امروا بالحجّ لعلّة الوفادة إلى اللّه- عزّ و جلّ- و طلب الزيادة و الخروج من كلّ ما اقترف العبد تائباً ممّا مضى مستأنفاً لما يستقبل ... مع الخضوع و الاستكانة و التذلّل. مع ما في ذلك لجميع الخلق من المنافع لجميع من في شرق الأرض و غربها و من في البرّ و البحر ممّن يحجّ و من لم يحجّ من بين تاجر و جالب و بايع و مشترٍ و كاسب و مسكين و مكار و فقير، و قضاء حوائج أهل الأطراف في المواضع الممكن لهم الاجتماع فيه. مع ما فيه من التفقّه و نقل أخبار الأئمّة: إلى كلّ صقع و ناحية، كما قال اللّه- عزّ و جلّ-: «فلولا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة ليتفقّهوا في الدين و لينذروا قومهم إذا رجعوا اليهم لعلّهم يحذرون و ليشهدوا منافع لهم» (وسائل الشيعة، ج ٨ كتاب الحجّ، أبواب وجوب الحجّ، الباب ١ الحديث ١٥). و قال الصادق عليه السلام فيما رواه هشام بن الحكم عنه في جواب السؤال عن علّة تكليف العباد بالحجّ: «إنّ اللّه خلق الخلق ... و أمرهم بما يكون من أمر الطاعة في الدين و مصلحتهم من أمر دنياهم، فجعل فيه الاجتماع من الشرق و الغرب ليتعارفوا و لينزع كلّ قوم من التجارات من بلد إلى بلد ... و لتعرف آثار رسول اللّه صلى الله عليه و آله و تعرف أخباره و يذكر و لا ينسى، و لو كان كلّ قوم إنّما يتّكلون على بلادهم و ما فيها هلكوا و خربت البلاد و سقطت الجلب و الأرباح و عميت الأخبار و لم تقفوا على ذلك؛ فذلك علّة الحجّ (نفس المصدر، الحديث ١٨). فعلّة وجوب الحجّ ترتكز على جهات أربع: أخلاقيّة و سياسيّة و اقتصاديّة و ثقافيّة، وفقاً لما روي عن أهل بيت العصمة عليهم السلام