شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٣٥ - خطبة أمير المؤمنين
اللّه إنّها لتغرّ من أمّلها و تخلف من رجاها و ستورث أقواما الندامة و الحسرة باقبالهم عليها و تنافسهم فيها و حسدهم و بغيهم على أهل الدّين و الفضل فيها ظلما و عدوانا و بغيا و أشرا و بطرا و باللّه إنه ما عاش قوم قطّ في غضارة من كرامة نعم اللّه في معاش دنيا و لا دائم تقوى في طاعة اللّه و الشكر لنعمه فأزال ذلك عنهم إلّا من بعد تغيير من
الاعجاب و الاضلال و الدنيا تعجبهم و تضلهم لانها تعطف عليها قلوبهم و تصرف إليها ميولهم و تعمى عيون بصائرهم و تطفأ أنوار ضمائرهم فتمنعهم عن ادراك الحق و تعجزهم عن سلوك سبيله و الاقتداء بحججه و الاهتداء الى منهجه و إليه الاشارة فى قوله تعالى وَ لٰا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلىٰ مٰا مَتَّعْنٰا بِهِ أَزْوٰاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ
(و تزين لهم بعاجلها)
(١) و هى زهراتها البائدة الحاضر التى تغفل القلوب الناقصة القاصرة عن التوجه الى السعادة الدائمة و الظاهر الباء زايدة ثم اشار الى ما يوجب النفور منها مؤكد بالقسم و غيره
قوله (و أيم اللّه أنها لتغر من أملها)
(٢) غره غرا و غرورا و غرة بالكسر فهو مغرور و غرير خدعه و أطمعه بالباطل و الدنيا غرارة خداعة تغر من أملها و مال قلبه إليها و تغفله بزهراتها الزائلة و شهواتها الباطلة عن اللّه تعالى و عن أمر الآخرة
(و تخلف من رجاها)
(٣) بعدم إعطاء مرجوه أو بأخذه منه و رده فقيرا الى الآخرة
(و ستورث غدا أقواما)
(٤) التنكير و الجمع للتكثير و المبالغة فى الكثرة و المراد بالغد يوم القيامة أو يوم الموت و ما بعده
(الندامة و الحسرة)
(٥) حين رأوا سعادة الزاهدين فى الدنيا و خسران أنفسهم
(باقبالهم عليها و تنافسهم فيها)
(٦) التنافس التسابق الى الشيء أيهم يأخذه أولا و منشأه كثرة الرغبة و هو أول التحاسد
(و حسدهم و بغيهم على أهل الدين و الفضل فيها)
(٧) أى فى الدنيا و المراد بهم أمير المؤمنين (عليه السلام) و أهل العصمة من أولاده الطاهرين ثم من تبعهم الى يوم الدين.
(ظلما و عدوانا و بغيا و أشرا و بطرا)
(٨) قيل الاشر البطر و قيل أشد البطر و البطر الطغيان عند النعمة و طول الغنى و قيل هو التكبر عن الحق و عدم قبوله، و كان هذه الامور متعلقة بالامور السابقة على الترتيب فظلما علة لاقبالهم على الدنيا لظلمهم على أنفسهم و عدولهم عن طريق الآخرة الى الدنيا و عدوانا علة لتنافسهم فيها لتجاوزهم عن حد الحق و دخولهم فى حد الباطل و بغيا علة لحسدهم على أهل الدين و الفضل لتجاوزهم عن حدهم فخرجوا عن طاعة الامام العادل و حسدوا عليه، و أشرا و بطرا علة لبغيهم عليهم و جعل كل واحد متعلقا بكل واحد أو بحسدهم و بغيهم محتمل و لكن قوله بغيا يأباه فى الجملة فليتأمل، ثم نبه (عليه السلام) لمناسب المقام
قوله (و باللّه انه ما عاش قوم قط فى غضارة- اه)
(٩) على أن كل من له نعمة و غضارة عيش و طيبه و طاعة للّه تعالى و شكر له و غيرها من الفضائل النفسانية و البدنية ثم سلب منه تلك النعمة و ازبلت عنه تلك الفضيلة ما كان سبب السلب و الازالة الا تغيرهم ما بأنفسهم من الاحوال الحسنة