شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٨٩ - وصيّة أبي عبد اللّه
إنّي لا أكاد ألقاك إلّا في السنين فأوصني بشيء آخذ به، قال: اوصيك بتقوى اللّه و صدق الحديث و الورع و الاجتهاد و اعلم أنّه لا ينفع اجتهاد لا ورع معه و إيّاك أن تطمح نفسك إلى من فوقك، و كفى بما قال اللّه عزّ و جلّ لرسوله (صلى اللّه عليه و آله): «فَلٰا تُعْجِبْكَ أَمْوٰالُهُمْ وَ لٰا أَوْلٰادُهُمْ» و قال اللّه عزّ و جلّ لرسوله: وَ لٰا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلىٰ مٰا مَتَّعْنٰا بِهِ أَزْوٰاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا فان خفت شيئا من ذلك فاذكر عيش رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)
مشتملة على جميع ما هو مطلوب من الانسان: الاولى التقوى و هى ملكة تورث الخوف من اللّه تعالى و الاجتناب عن المحارم و الاتيان بوظائف الطاعات كما أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله «عباده اللّه ان تقوى اللّه حمت أولياء اللّه محارمه و ألزمت قلوبهم مخافته حتى أسهرت لياليهم و أظمأت هواجرهم الحديث» الثانية صدق الحديث النافع فى الدنيا و الآخرة و هو من توابع العدل المتوقف على استقامة القوى العقلية و الغضبية و الشهوية اذ لو فسدت إحداهما وقع الكذب فى اللسان كثيرا، الثالثة الورع و هو ملكة التحرز عن المشتهيات و لذات الدنيا و ان كانت مباحة، الرابعة الاجتهاد فى العلم و العمل
(و اعلم أنه لا ينفع اجتهاد لا ورع معه)
(١) لان الخير المختلط بشر شر إن ساويا أو زاد الشر و مشوب مختلط ان زاد الخير و اللّه سبحانه لا يتقبل الا الخالص، و لان الاجتهاد ميل الى الآخرة و ترك الورع ميل الى الدنيا فيذهب هذا بذاك و من ثم قيل الميل الى الدنيا و الآخرة لا يجتمعان
(و اياك و ان تطمح نفسك الى من فوقك)
(٢) طمح بصره إليه من باب منع امتد و ارتفع و اشرف و أصله قولهم جبل طامح أى طائل مشرف و فيه تحذير للانسان من أن ينظر الى من فوقه و يتمنى ما عنده من نعمه و متاع الدنيا و يطلب اللحاق به لانه ربما يقع فى الحرام و لا يبالى و يشقى بذلك و ربما لا يتيسر له اللحاق فيموت غما أو حسدا و هو على التقديرين يبعد من الدين و يصير من الهالكين و اذا نظر الى من هو دونه عرف قدر نعمة اللّه عليه و التزم شكر المنعم و طاعته، هذا حال الناظر الى متاع الدنيا و أما الناظر الى الطاعة و العلم و الزهد ينبغى أن يكون الامر بالعكس
(و كفى بما قال اللّه عز و جل لرسوله (صلى اللّه عليه و آله) فَلٰا تُعْجِبْكَ أَمْوٰالُهُمْ وَ لٰا أَوْلٰادُهُمْ)
(٣) كفى هذا القول الكريم زجرا عن الطموح و منعا من النظر و الاشراف اذ المقصود منه نصيحة الامة اذ قدس ذاته (صلى اللّه عليه و آله) ارفع من أن ينظر إليهم و يتمنى ما هم عليه من النعمة الفانية و لو فرض انه المقصود من هذه النصيحة فغيره أولى بها
(و قال اللّه عز و جل وَ لٰا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلىٰ مٰا مَتَّعْنٰا بِهِ أَزْوٰاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا)
(٤) نصب زهرة بمقدر دل عليه المذكور و هو متعنا و فيه وجوه آخر ذكرها المفسرون و انما نهاه (صلى اللّه عليه و آله) عن مد النظر الى ما متع به أصنافا من الكفرة و غيرهم من زهرة الدنيا و زينتها