شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٠٢ - حديث عيسى ابن مريم
يا عيسى إنّك تفنى و أنا أبقى و منّي رزقك و عندي ميقات أجلك و إليّ إيابك و عليّ حسابك فسلني و لا تسأل غيري، فيحسن منك الدّعاء و منّي الاجابة.
يا عيسى ما أكثر البشر و أقلّ عدد من صبر، الأشجار كثيرة و طيّبها قليل، فلا يغرّنّك حسن شجرة حتّى تذوق ثمرها.
يا عيسى لا يغرّنّك المتمرّد عليّ بالعصيان: يأكل رزقي و يعبد غيري ثمّ يدعوني عند الكرب فاجيبه ثمّ يرجع إلى ما كان عليه فعليّ يتمرّد أم بسخطي
و النماء و دار التكليف و الفناء و انما الثواب و العقاب فى الآخرة التى هى دار البقاء
(يا عيسى انك تفنى و أنا أبقى)
(١) الخطاب لهذا المجموع المركب من الهيكل المخصوص و النفس الناطقة و هو ينتفى بانتفاء الجزء فلا ينافى بقاء النفس كما هو الحق
(و منى رزقك)
(٢) فثق به و كل ما يحتاج إليه ذو حياة فى حياته و بقائه
(و عندى ميقات أجلك)
(٣) أى الوقت أو المكان المقدران لموتك فالاضافة لامية و لو أريد بالميقات الوقت المضروب للحياة و بالاجل مدة الحياة كانت الاضافة بيانية
(و الي إيابك)
(٤) أى رجوعك بعد نزولك فى الدنيا زمانا مقدرا
(و علي حسابك)
(٥) مما فعلت فى الدنيا من خير أو شر و هذه الفقرات كعلة مستقلة للرجوع إليه فى جميع الامور و طلب جميع المطالب منه لا من غيره فلذلك قال
(فسلنى و لا تسأل غيرى)
(٦) لانه لا يملك لك نفعا و لا ضرا و ذلك لافادة ان جميع الامور الدنيوية و الاخروية بيده و ليس شيء منها بيد غيره فوجب السؤال منه لا من غيره
(فيحسن منك الدعاء و منى الاجابة)
(٧) نبه على أن الاجابة مقرونة بالدعاء المقترن بالشرائط التى من جملتها تفريغ القلب عن الغير و التوسل به و التضرع إليه
(يا عيسى ما اكثر البشر و اقل عدد من صبر)
(٨) أشار على سبيل التعجب الى أن الصابر من البشر مع كثرتهم قليل و الاكثر لا صبر لهم فى مقام الطاعة و المعصية و نزول النوائب و المكاره لضعف عقولهم و قلة علومهم و طغيان نفوسهم و فرار طباعهم عن مرارة الصبر
(الاشجار كثيرة و طيبها قليل)
(٩) و هو الّذي له أثمار نفيسة و رائحة طيبة و هذا من باب التمثيل لتشبيه المعقول بالمحسوس لقصد الايضاح
(فلا يغرنك حسن شجرة حتى تذوق ثمرها)
(١٠) نهى عن النظر الى حسن الصورة حتى ينظر الى حسن السيرة لان الكمال انما هو الثانى دون الاول و لذلك كان العارفون لا يتخذون صديقا و لا يؤثرون رفيقا حتى يمتحنوا و يعرفوا حاله و عقله و علمه و كماله و خلقه و قوته فى الدين و علموا أن اتخاذ الصديق قبل الاختبار يوجب الفراق منه بالاختيار أو الاضطرار
(يا عيسى لا يغرنك المتمرد على بالعصيان)
(١١) التمرد سركشى كردن و المتمرد العاتى الشديد و تغريره خدعته و مكره بفعله او قوله ليجعل الغير مثله
(يأكل رزقى و يعبد غيرى)
(١٢) فيضع قوته فى غير موضعها و هو الظلم الصريح و ذلك الغير هو الاصنام أو الشيطان أو النفس الامارة و هواها و الداعى الى غير سبيل اللّه لان كل من اتبع أحدا و سمع