شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٩٩ - حديث عيسى ابن مريم
يا عيسى ابن البكر البتول! ابك على نفسك بكاء من ودّع الاهل و قلى الدّنيا و تركها لأهلها و صارت رغبته فيما عند إلهه.
يا عيسى كن مع ذلك تلين الكلام و تفشي السلام. يقظان إذا نامت عيون الأبرار، حذرا للمعاد، و الزلازل الشداد، و أهوال يوم القيامة حيث لا ينفع أهل و لا ولد و لا مال. يا عيسى اكحل عينك بميل الحزن إذا ضحك البطّالون.
ما لم تغير شيئا من السنة
(يا عيسى ابن البكر البتول)
(١) البتل القطع سميت بتولا لكونها عذراء منقطعة عن الازواج أو عن الدنيا
(ابك على نفسك بكاء من قد ودّع الاهل و قلى الدنيا و تركها لاهلها و صارت رغبته فيما عند إلهه)
(٢) أشار بذلك الى أعلى درجات الزهد و رغبته فى تحصيله حيث أمره أولا بوداع الاهل و الميل الى سفر الآخرة و تفويض حالهم الى ربهم لان الاشتغال بامورهم مانع من هذا السفر و ثانيا بقلى الدنيا و بغضها لان محبتها أيضا مانعة و ثالثا بتركها لاهلها الراغبين إليها لان بغضها مع عدم تركها أيضا مانع و رابعا بالرغبة فيما عند اللّه تعالى من قربه و احسانه و السعادة الابدية و النعماء الاخروية فاذا حصلت هذه المراتب لاحد دخل فى مقام المحبة و هو ما دام فى هذه الدار لا يخلو عن فراق ما من المحبوب و كأن شأنه البكاء فلذلك أمره ببكاء من كان على الوصف المذكور فلذلك قيل العارفون المحبون يبكون شوقا الى المحبوب و المذنبون يبكون من خوف الذنوب
(يا عيسى كن مع ذلك تلين الكلام و تفشى السلام يقظان اذا نامت عيون الابرار)
(٣) لما كان التالف و التلطف من أسباب تحقق النظام بين الانام حض على السبب الجالب لها من لين الكلام و افشاء السلام و قوله «تلين» و «تفشى» و «يقظان» اخبار و الاول مضارع لين بالتشديد أو ألان يقال لينت الشيء و ألنته و ألينته على النقصان و التمام مثل أطلته و أطولته أى صيرته لينا و الثانى من الافشاء بمعنى الاذاعة و الاشهار و الثالث مفرد غير منصرف للوصفية و الألف و النون المزيدتين و ترك العطف فيه لانه جائز فى الاخبار المتعدد مع رعاية عدم التناسب و عدم قصد الاشتراك فى الاعراب و يجوز أن يكون الاول و الثانى مصدر التفعل المضاف الى فاعله لكنه بعيد لخلوه عن ضمير الاسم و عدم حمله عليه الا بتأويل و فى اضافة العيون الى الابرار مبالغة فى طلب اليقظة منه (عليه السلام) كما لا يخفى و الظاهر أن «حذرا» مفعول له للخبر الاخير أو للكل على احتمال و أن المراد بالزلازل زلازل الساعة و هى شديدة عظيمة كما قال تعالى إِنَّ زَلْزَلَةَ السّٰاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ
(يا عيسى اكحل عينك بميل الحزن)
(٤) من أهوال القيمة و شدائد مقاماتها أو من خوف سوء الخاتمة و انعكاس الاحوال أو من ألم الفراق
(اذا ضحك البطالون)
(٥) الغافلون عن جميع ذلك و الكحل معروف و فعله من باب منع و نصر و تشبيه الحزن به و هو تشبيه معقول بمحسوس لقصد الإيضاح مكنية و ذكر الميل تخييلية، و المراد بالعين عين القلب لانه مورد-