شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٩٨ - حديث عيسى ابن مريم
و قم فيهم بعدلي، فقد أنزلت عليك شفاء لما في الصّدور من مرض الشيطان.
يا عيسى لا تكن جليسا لكلّ مفتون، يا عيسى حقّا أقول: ما آمنت بي خليقة إلّا خشعت لي و لا خشعت لي إلّا رجت ثوابي فأشهد أنّها آمنة من عقابي ما لم تبدّل أو تغيّر سنّتي.
جهدك تعرف بالخير حيث ما توجهت)
(١) الخير اسم جامع لكل ما هو مطلوب شرعا و قد أمره به على سبيل المنافسة و المغالبة بقدر الطاقة و الامكان و أشار الى أن غايته المترتبة عليه غير الثواب الاخروى معرفة الخلق اياه به و ذلك من فضل اللّه عليه ليذكروه به و يتأسوا به كما دل عليه بعض الروايات و لا دلالة فيه على جواز قصد ذلك من عمل الخير أن الظاهر جوازه لا للسمعة و الرياء بل لما ذكر أو لارادة ظهور نعمته تعالى و فعل الخير و التوفيق عليه من أجل نعمائه و لذلك قال خليل الرحمن وَ اجْعَلْ لِي لِسٰانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ،
(يا عيسى احكم فى عبادى بنصحى)
(٢) أى ينصح لى من باب الحذف و الايصال و النصح الخلوص و لعل المراد به نصيحتهم لوجه اللّه و أمرهم بما فيه صلاحهم فى الدنيا و الآخرة و هذا الحكم أفضل الاعمال قال ابو عبد اللّه (عليه السلام) عليكم بالنصح للّه فى خلقه فلن تلقاه بعمل أفضل منه و قم فيهم بعدلى لدفع الظلم و الجور بينهم و بهذا الحكم و القيام يتم نظامهم فى الدارين فقد أنزلت عليك شفاء لما فى الصدور من مرض الشيطان لان مرض الشيطان و وسواسه فى صدور المؤمنين اما فى أمر الدنيا أو فى أمر المبدأ و المعاد و أمر الآخرة و قد أنزل اللّه تعالى عليه من العلوم الدينية و القوانين الشرعية و الاسرار الحكمية و المواعظ الربانية و النصائح الالهية ما يعالج به جميع ذلك
(يا عيسى لا تكن جليسا لكن مفتون)
(٣) بالدنيا أو المعصية لئلا تتشبه بهم و من تشبه بقوم فهو منهم و لئلا يميل طبعك الى طبعهم فان الفتنة علة مسرية و لئلا يصيبك عذاب ان نزل بهم
(يا عيسى حقا أقول)
(٤) حقا منصوب بفعل مذكور أى أقول قولا حقا أو بفعل مقدر قبله لوجود المفسر له و هذا القول الحق هو
قوله (ما أمنت بى خليقة الا خشعت لى)
(٥) الخليقة الناس و الخشوع فروتنى كردن و هو ضد التطاول و الترفع و مبدؤه العلم بان كل موجود مقهور فى تصريف قدرته تعالى و مربوط بربقة الحاجة إليه فان هذا العلم يوجب تخشعه و تخضعه فى أفعاله القلبية و البدنية و اقباله إليه تعالى و هذا صريح فى أن الايمان الّذي ليس معه خشوع ليس بايمان حقيقة
(و لا خشعت لى الا رجت ثوابى)
(٦) لان رجاء ثوابه يوجب الاقبال الى ما يوجبه بقلب خاشع له تعالى فلو لا رجاء الثواب لم يحصل الخشوع ألا ترى انك اذا لم ترج من زيد شيئا لا تخشع له أصلا و من هاتين المقدمتين ظهر أن الايمان لا يتحقق بدون رجاء الثواب و العمل له
(فاشهد أنها آمنة من عذابى ما لم تبدل او تغير سنتى)
(٧) أشهد اما متكلم أو أمر و فى التفريع دلالة على أن الأمن من العذاب متوقف على الخشوع و الرجاء و أن الأمن منه ثابت لها ما لم تبدل هذه الحالة بحالة التطاول و الترفع و