شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٥٤٩ - كلام لعليّ بن الحسين
أحد من معرفة نعمه إلّا المعرفة بالتقصير عن معرفتها كما لم يجعل في أحد من معرفة إدراكه أكثر من العلم أنّه لا يدركه، فشكر جلّ و عزّ معرفة العارفين بالتقصير عن معرفة شكره فجعل معرفتهم بالتقصير شكرا كما علم علم العالمين أنّهم لا يدركونه فجعله إيمانا، علما منه أنّه قد وسع العباد فلا يتجاوز ذلك فانّ شيئا من خلقه لا يبلغ مدى عبادته و كيف يبلغ مدى عبادته من لا مدى له و لا كيف، تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا.
قوله (قال سبحان من لم يجعل فى أحد من معرفة نعمه الا المعرفة بالتقصير عن معرفتها)
(١) نزهه أولا عن جميع النقايص للتنبيه على ان عدم الجعل ليس للنقص فى احسانه بل لقصور البشر عن ادراك غير المحصور و الاحاطة به و الظاهر أن الحكم شامل للانبياء أيضا و أن المراد بنعمه العموم و الشمول لوقوع النكرة فى سياق النفى و الاضافة و ان المراد بمعرفة نعمه المعرفة التفصيلية اذ المعرفة الاجمالية غير متعذرة و ان التقصير عن معرفتها لا يدل لغة على أن معرفتها ممكنة لجواز خروجها عن القدرة البشرية و ان كانت فى غاية الكمال كما يدل عليه التشبيه فى
قوله (كما لم- يجعل فى أحد من معرفة ادراكه أكثر من العلم أنه لا يدركه)
(٢) أى لا يدرك حقيقة ذاته و صفاته لان ادراكها ممتنع فكذا فى المشبه و قد ذكرنا طريق معرفته فى كتاب التوحيد من الاصول. ثم أشار الى ما يتفرع على المشبه
قوله (فشكر جل و عز معرفة العارفين بالتقصير عن معرفة شكره)
(٣) الاعتراف بهذا التقصير لازم للاعتراف بالتقصير عن معرفة نعمه
(فجعل معرفتهم بالتقصير)
(٤) عنهما
(شكرا)
(٥) و جزاهم جزاء الشاكرين و أشار الى ما يترتب على المشبه به
قوله (كما علم علم العالمين أنهم لا يدركونه فجعله ايمانا)
(٦) و جزاهم جزاء المؤمنين
(علما منه أنه قد وسع العباد فلا يتجاوز ذلك)
(٧) علما علة لقوله، فجعل معرفتهم بالتقصير شكرا، و جعل علم العالمين بأنهم لا يدركونه» ايمانا و القد بالكسر و الشد القدر و ضمير يتجاوز راجع الى الوسع و ذلك اشارة الى اعتراف العارفين بالتقصير و علم العالمين انهم لا يدركونه و ارجاع الضمير إليه سبحانه و اشارة ذلك الى الجعلين احتمال بعيد
(فان شيئا من خلقه لا يبلغ مدى عبادته)
(٨) أى غاية عبادته اللائقة به و قد اعترف خاتم الأنبياء و سيد الأوصياء بالتقصير و روى عن أبى الحسن موسى (عليه السلام) أنه قال لبعض ولده «يا بنى عليك بالجد لا تخرجن نفسك عن حد التقصير فى عبادة اللّه عز و جل و طاعته فان اللّه لا يعبد حق عبادته»
(و كيف يبلغ مدى عبادة من ليس له مدى و لا كيف)
(٩) لان اللائق بمن ليس له مدى و كيف عبادة خلت عنهما اذ كل ما هما له ممكن ناقص لا يليق باللّه المتعالى عنهما علوا كبيرا، و لا ريب ان العبد لا يقدر ان يبلغ مدى هذه العبادة اذ له مدى و لا مدى لها و انما يقدر على عبادة متصفة بهما و هى لا يليق به.