شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٥٤١ - خطبة لامير المؤمنين
به و عظّموا اللّه الّذي لا ينبغي لمن عرف عظمة اللّه ان يتعظّم فانّ رفعة الّذين يعلمون ما عظمة اللّه أن يتواضعوا له و عزّ الّذين يعلمون ما جلال اللّه أن يذلّوا له و سلامة الّذين يعلمون ما قدرة اللّه أن يستسلموا له، فلا ينكرون أنفسهم بعد حدّ المعرفة و لا يضلّون بعد الهدى، فلا تنفروا من الحقّ نفار الصحيح من الأجرب و البارئ من ذى السقم.
و اعلموا أنّكم لن تعرفوا الرّشد حتّى تعرفوا الذي تركه و لم تأخذوا بميثاق
عظمة اللّه ان يتعظم)
(١) تعرف عظمته بمعرفة عظمة خلقه من السموات و الارضين و ما فيهما و ما بينهما و ما فى الآفاق و الانفس مع معرفة ذل الخلائق بين يديه و بسط ايدى الحاجة إليه و من حصلت له تلك المعرفة ينبغى أن يثبت فى طاعته و يفر عن معصيته و لا يتعظم و لا يستكبر عن عبادته بترك أو امره و نواهيه ان الذين يستكبرون عن عبادته سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دٰاخِرِينَ ثم أشار الى ما- يحصل به تعظيمه و ما يترتب عليه من الفوائد الجليلة التى يطلبها العقلاء
قوله (فان رفعة الذين يعلمون ما عظمة اللّه ان يتواضعوا له)
(٢) الرفعة بالكسر الشرف و علو القدر و التواضع للّه تعالى شامل للتواضع للرسول و الأوصياء و المؤمنين و الحمل للمبالغة فى السببية
(و عز الذين يعلمون ما جلال اللّه ان يذلوا له)
(٣) العزة القوة و الكرامة خلاف للذلة و الجلال و العظمة متقاربان، و لعل الثانى باعتبار الذات و الاول باعتبار الصفات و الذلة له بالعبودية و اظهار العجز و المسكنة و الاعتقاد لديه
(و سلامة الذين يعلمون ما قدرة اللّه أن يستسلموا له)
(٤) أى سلامتهم من الافات و المكاره فى الدنيا و الآخرة الاذعان و الانقياد له فى جميع الامور لعلمهم بأن قدرته قاهرة غالبة لا رادّ لها فى التعذيب و الاثابة
(فلا ينكرون أنفسهم)
(٥) و لا يجهلونها بعد حد المعرفة المذكورة فانهم بعد معرفة عظمة اللّه و جلاله و قدرته يعلمون ان اللائق بحالهم التواضع و التذلل و الاستسلام له
(و لا تضلون بعد الهدى)
(٦) أى لا يضلون عن سبيل ما يليق به تعالى و ما يليق بهم بعد هدايتهم إليه
(فلا تنفروا من الحق نفار الصحيح من الاجرب)
(٧) خوفا من السراية و النفار بالكسر الفرار و التباعد
(و البارئ من ذى السقم)
(٨) البارئ من نقه من مرضه أى صح و فيه ضعف من البرء بالضم يقال برء ككرم و فرح برء نقه و أبرأه اللّه فهو بارئ و بريء و السقم كجبل و قفل المرض و لما كانت هناك امور مطلوبة لا يتحقق و لا يستقر الا بامور مطلوبة اخرى و بالمجموع يتم كمال الدين و نظام الدنيا اشار إليها و حث عليها
قوله (و اعلموا انكم لن تعرفوا الرشد)
(٩) أى الصواب و الحق
(حتى تعرفوا الّذي تركه)
(١٠) لا يقال معرفة تارك الرشد تتوقف على معرفة الرشد فلو انعكس لزم الدور لانا نقول المراد أن هاتين المعرفتين ينبغى ان تكونا معا اذ انتفاء الثانية يؤدى الى متابعة تارك الرشد غالبا و ذلك يوجب انتفاء الاولى أيضا أو نقول معرفة الرشد كناية عن الثبات و الاستمرار عليه و هو متوقف على معرفة تارك الرشد للتحرز عن متابعته و هذه المعرفة تتوقف على معرفة الرشد