شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣١٨ - برنامج صالح للّذين و الدّنيا و مدح القناعة
و لا رفعة لمن لم يتواضع للّه عزّ و جلّ و قال لرجل: أحكم أمر دينك كما أحكم أهل الدّنيا أمر دنياهم فانّما جعلت الدّنيا شاهدا يعرف بها ما غاب عنها من الآخرة فاعرف الآخرة بها، و لا تنظر إلى الدّنيا إلّا باعتبار.
تعالى و لا رفعة لمن لم يتواضع للّه عز و جل)
(١) العزة و الرفعة فى الحقيقة لمن أعزه اللّه و رفعه فانهما تدومان أبدا و هما لا يتحققان الا بالتذلل و التواضع و الانقياد له. و لاوليائه و أما ما سماه الجهلة عزة فهى مع كونها عين الذلة أمر اضافى اعتبارى لا حقيقة له و لذلك تكون في آن و تزول فى آن آخر.
(و قال لرجل أحكم أمر دينك كما أحكم أهل الدنيا أمر دنياهم)
(٢) احكام أهل الدنيا أمرها مع أنها غير محكمة لسرعة زوالها بتعلق قلوبهم الضعيفة و عقولهم السخيفة بها فسعوا لجمعها و تحصيلها و حفظها من كل وجه فليكن قلبك الكامل و عقلك الفاضل متعلقا بأمر الآخرة و تحصيل مقاماتها العالية و نعمائها الكاملة الباقية فهذب نفسك عن الرذائل التى أعظمها حب الدنيا و الفانيات و أعمل بالصالحات الباقيات
(و انما جعلت الدنيا شاهدا يعرف بها ما غاب عنها من الآخرة)
(٣) لان من تفكر فى الدنيا و فى نعمائها الناضرة و آلائها الظاهرة و أمتعتها الفاخرة مع كونها سجنا ضيقا و بيتا منتنا و محلا مبغوضا يبغضها اللّه تعالى يعرف الآخرة التى دار أحبها اللّه تعالى لاوليائه و يعرف قدر نعمائها و كمال آلاتها و شرف حالاتها و كمال مقاماتها و لذلك قال
(فاعرف الآخرة بها)
(٤) و ان الدنيا و ما فيها من النعماء التى لا تحصى دليل واضح على معرفة الآخرة و ما فيها من النعماء التى تعجز عن تعديدها عقول العقلاء و عن تحديدها فحول العلماء و عن معرفة تفاصيلها و كميتها و كيفيتها أذهان الازكياء، ثم نهى عن النظر الى الدنيا و تعليق القلب بزينتها الخداعة
فقال (و لا تنظر الى الدنيا الا باعتبار)
(٥) منها و من زينتها الفانية الى الآخرة و زينتها الباقية، و قد تكرر الامر بالاعتبار فى الاحاديث و له وجوه منها النظر الى الدنيا و تغيير أحوالها فى نفسها فانه يوجب الانقطاع منها الى الآخرة، و منها النظر الى شدائدها الزائلة فانه يوجب الانتقال الى شدة شدائد الآخرة الباقية و التحرز عما يوجبها، و منها النظر الى نعيمها و زينتها الداثرة مع كونها مبغوضة فانه يوجب الانتقال الى كمال نعيم الآخرة و زينتها الدائمة و الاجتهاد لها، و منها النظر الى أحوال الماضين و ما كانوا فيه من خضرة الاحوال وسعة الارزاق و الاموال و قطع ايديهم منها اضطرارا بالموت و سكونهم فى التراب و فراقهم من الاحباب و اشتغالهم بما معهم من الخير و الشر و الثواب و العقاب فانه