شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١١٦ - حديث عيسى ابن مريم
يا عيسى أطب الكلام و كن حيثما كنت عالما متعلّما. يا عيسى أفض بالحسنات إليّ حتّى يكون لك ذكرها عندي و تمسّك بوصيّتي فانّ فيها شفاء للقلوب.
يا عيسى لا تأمن إذا مكرت مكري و لا تنس عند خلوات الدنيا ذكري.
يا عيسى حاسب نفسك بالرّجوع إليّ حتّى تتنجّز ثواب ما عمله العاملون
ملكه و ملكه لا يخلو منه.
(يا عيسى أطب الكلام)
(١) أمره بالتكلم بما ينفع و لا يضر و حفظ اللسان عن التسرع بما لا يعنى و ما يؤذى أحدا و اللّه تعالى عند لسان كل قائل فليتق اللّه عبد و لينظر ما يقول
(و كن حيث ما كنت عالما متعلما)
(٢) ترغيب فى اكتساب فضيلة العلم و التعلم لان عليهما مدار التكليف و الرجوع الى اللّه تعالى و تنبيه على أن العالم و ان بلغ حد الكمال فى ظنه لا بد له من أن يتعلم لان العلم بحر لا ينزف كما دل عليه قوله تعالى وَ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ و دل عليه أيضا حكاية موسى مع الخضر (عليهما السلام) و لذلك أمر اللّه تعالى سيد المرسلين و هو أعلم العالمين طلب الزيادة فى العلم بقوله قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً
(يا عيسى أفض بالحسنات الى حتى يكون لك ذكرها عندى)
(٣) أى ذكر أجرها و ثوابها أو ذكر نفسها و كأنه على الاخير من باب التمثيل لان احدنا اذا أرسل هدية الى صديقه فمتى رآها الصديق يذكرها و يذكر صاحبها و فى الافاضة اشعار باكثار الحسنات
(و تمسك بوصيتى فان فيها شفاء للقلوب)
(٤) من أمراض الجهل و رذائل الاخلاق و وساوس الشيطان
(يا عيسى لا تأمن اذا مكرت مكرى)
(٥) مكر مكرا من باب قتل خدع فهو ماكر و أمكر بالالف لغة و مكر اللّه و أمكر جازى على المكر و سمى الجزاء مكرا كما سمى جزاء السيئة سيئة مجازا على سبيل مقابلة اللفظ باللفظ
(و لا تنس عند خلوات الدنيا ذكرى)
(٦) لما كان أعظم المطالب الدينية ذكر اللّه تعالى امر به مرارا مبالغة فيه و هو من أعمال الصالحين قال اللّه تعالى فى مدحهم رِجٰالٌ لٰا تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لٰا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ و فى الذكر جلاء للقلوب و انس باللّه و هو ثمرة محبته فان من أحب شيئا اكثر من ذكره و الغرض من جميع العبادات هو الذكر قال اللّه تعالى أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِذِكْرِي و بالجملة كل عقد و قول و فعل يقصد به اللّه تعالى فهو ذكره.
(يا عيسى حاسب نفسك بالرجوع الى)
(٧) حساب النفس متوقف على الرجوع الى اللّه تعالى لان حسابها عبارة عن ملاحظة طاعتها و معصيتها له فينبغى ان يعرف كل احد أنه يرجع الى اللّه تعالى و أنه تعالى يثيبه ان اطاع و يعاقبه ان عصى فاذا حصلت له هذه المعرفة اشتغل بنفسه و يحاسبها فى كل يوم و فى كل ساعة فينظر الى خواطرها و أفعالها و قيامها و قعودها و حركاتها و سكناتها و جميع أعمالها الظاهرة و الباطنة على سبيل التفصيل فما كان منها موافقا لارادة اللّه تعالى دام عليه و شكر و ما كان مخالفا لارادته فر منه و استغفر و ما كان من المباحات رفضه فرارا