نهج البلاغه - قيس العطار - الصفحة ٢١٢ - عصيان الخلق
كَانُوا يَأْمَنُونَ، وَ قَدِمُوا مِنَ الْآخِرَةِ عَلَى مَا كَانُوا يُوعَدُونَ. فَغَيْرُ مَوْصُوفٍ مَا نَزَلَ بِهِمْ: اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ وَ حَسْرَةُ الْفَوْتِ، فَفَتَرَتْ لَهَا أَطْرَافُهُمْ، وَ تَغَيَّرَتْ لَهَا أَلْوَانُهُمْ.
ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ فِيهِمْ وُلُوجاً، فَحِيلَ بَيْنَ أَحَدِهِمْ وَ بَيْنَ مَنْطِقِهِ، وَ إِنَّهُ لَبَيْنَ أَهْلِهِ يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ، وَ يَسْمَعُ بِأُذُنِهِ، عَلَى صِحَّةٍ مِنْ عَقْلِهِ، وَ بَقَاءٍ[١] مِنْ لُبِّهِ، يُفَكِّرُ فِيمَ[٢] أَفْنَى عُمْرَهُ[٣]، وَ فِيمَ أَذْهَبَ دَهْرَهُ! وَ يَتَذَكَّرُ أَمْوَالاً جَمَعَهَا، أَغْمَضَ فِي مَطَالِبِهَا، وَ أَخَذَهَا مِنْ مُصَرَّحَاتِهَا[٤] وَ مُشْتَبِهَاتِهَا، قَدْ[٥] لَزِمَتْهُ تَبِعَاتُ جَمْعِهَا، وَ أَشْرَفَ عَلَى فِرَاقِهَا، تَبْقَى لِمَنْ وَرَاءَهُ يَنْعَمُونَ[٦] فِيهَا، وَ يَتَمَتَّعُونَ بِهَا، فَيَكُونُ الْمَهْنَأُ لِغَيْرِهِ، وَ الْعِبْءُ عَلَى ظَهْرِهِ. وَ الْمَرْءُ قَدْ غَلِقَتْ[٧] رُهُونُهُ بِهَا[٨]، فَهُوَ يَعَضُّ يَدَهُ[٩] نَدَامَةً عَلَى مَا أَصْحَرَ لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ مِنْ أَمْرِهِ، وَ يَزْهَدُ فِيمَا كَانَ يَرْغَبُ فِيهِ أَيَّامَ عُمُرِهِ[١٠]، وَ يَتَمَنَّى أَنَّ الَّذِي كَانَ يَغْبِطُهُ بِهَا وَ يَحْسُدُهُ عَلَيْهَا قَدْ حَازَهَا دُونَهُ!
[١] . في نسخة من «ل» «م»: «و نَقَاءٍ» بدل «و بقاء».
[٢] . في نسخة من «ن»: «فيمَنْ»، و في نسخة أخرى منها: «فِيمَا» بدل «فِيمَ».
[٣] . في «ل»: «عُمُرَهُ».
[٤] . في نسخة من «م»: «حرامها» بدل «مُصَرَّحاتها».
[٥] . في «ل»: «و قد» بدل «قد».
[٦] . في «ل»: «يُنَعَّمُون».
[٧] . في «ن»: «غَلِقت» و «عَلِقَت» معاً.
[٨] . «بها» ليست في «ن»، و هي موجودة في نسخة منها.
[٩] . في نسخة من «ل»: «على يَدِهِ» بدل «يَدَهُ».
[١٠] . في «س»: «عَمْرِه».