نهج البلاغه - قيس العطار - الصفحة ١٥١ - ٨٦ و من خطبة له عليهالسلام و هي في بيان صفات المتقين و صفات الفساق و التنبيه إلى مكان العترة الطيبة و الظن الخاطىء لبعض الناس
الْحُزْنَ، وَ تَجَلْبَبَ الْخَوْفَ، فَزَهَرَ مِصْبَاحُ الْهُدَى فِي قَلْبِهِ، وَ أَعَدَّ الْقِرَى لِيَوْمِهِ النَّازِلِ بِهِ، فَقَرَّبَ عَلَى نَفْسِهِ الْبَعِيدَ، وَ هَوَّنَ الشَّدِيدَ، نَظَرَ فَأَبْصَرَ، وَ ذَكَرَ فَاسْتَكْثَرَ، وَ ارْتَوَى مِنْ عَذْبٍ فُرَاتٍ سُهِّلَتْ[١] لَهُ مَوَارِدُهُ، فَشَرِبَ نَهَلاً[٢]، وَ سَلَكَ سَبِيلاً جَدَداً.
قَدْ خَلَعَ سَرَابِيلَ الشَّهَوَاتِ، وَ تَخَلَّى مِنَ الْهُمُومِ إِلاَّ هَمّاً وَاحِداً انْفَرَدَ بِهِ، فَخَرَجَ مِنْ صِفَةِ الْعَمَى، وَ مُشَارَكَةِ أَهْلِ الْهَوَى، وَ صَارَ مِنْ مَفَاتِيحِ أَبْوَابِ الْهُدَى، وَ مَغَالِيقِ أَبْوَابِ الرَّدَى.
قَدْ أَبْصَرَ طَرِيقَهُ، وَ سَلَكَ سَبِيلَهُ، وَ عَرَفَ مَنَارَهُ، وَ قَطَعَ غِمَارَهُ، وَ اسْتَمْسَكَ مِنَ الْعُرَى بِأَوْثَقِهَا، وَ مِنَ الْحِبَالِ بِأَمْتَنِهَا، فَهُوَ مِنَ الْيَقِينِ عَلَى[٣] مِثْلِ ضَوْءِ الشَّمْسِ، قَدْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلَّهِ - سُبْحَانَهُ - فِي أَرْفَعِ الْأُمُورِ، مِنْ إِصْدَارِ كُلِّ وَارِدٍ عَلَيْهِ، وَ تَصْيِيرِ كُلِّ فَرْعٍ إِلَى أَصْلِهِ. مِصْبَاحُ ظُلُمَاتٍ، كَشَّافُ غَشَوَاتٍ[٤]، مِفْتَاحُ مُبْهَمَاتٍ، دَفَّاعُ مُعْضِلاَتٍ، دَلِيلُ فَلَوَاتٍ، يَقُولُ فَيُفْهِمُ، وَ يَسْكُتُ فَيَسْلَمُ.
قَدْ أَخْلَصَ لِلَّهِ فَاسْتَخْلَصَهُ، فَهُوَ مِنْ مَعَادِنِ دِينِهِ، وَ أَوْتَادِ أَرْضِهِ.
[١] . في نسخة من «ن»: «سَهُلَتْ».
[٢] . في «ل»: «نَهْلاً».
[٣] . في «س»: «في» بدل «على»، و في نسخة منها كالمثبت.
[٤] . في «ل» و نسخة من «م»: «عَشَواتٍ». و في هامش «م»: «الغَشَوات الأَغطية، و قُرئ (و على إبصارهم غَشْوة) أي غطاء، و الغاشية القيامةُ بأفزاعها. و العشوات جمع عَشْوة، و هي سواد الليل».