الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٢٢٦ - مؤیّد القول الرابع
بقاء الموضوع، فأِیضاً ِیجرون الاستصحاب. و هذا بناء العقلاء في جمِیع أمورهم.
الدلِیل الثاني
إنّ الوجدان حاكم على أنّه لو عشنا نحن في عصر صدور أخبار الاستصحاب مكان زرارة لم نشكّ في وجوب الفحص عن الحكم في الشبهات الحكميّة بالسؤال عن الإمام علِیه السّلام و لم نحتمل جواز التمسّك بالاستصحاب بمجرّد الشكّ في بقاء حلّيّة العصر [١]العنبيّ بعد الغليان - مثلاً-، أو بقاء نجاسة الماء المتغيّر بعد زوال تغيّره بنفسه.
و إن شئت قلت: حيث إنّ الفحص و السؤال عن المعصوم كان ممكناً في عصر الأخبار غالباً، لا سيّما للرواة و لم تمسّ الحاجة غالباً إلى جريان الاستصحاب؛ فيمكن أن يقال حينئذٍ بانصراف أخبار الاستصحاب عن الشبهات الحكميّة. و كيف كان، لا أقلّ من الشكّ في إطلاق أخبار الاستصحاب أو عمومها بالنسبة إلى الشبهات الحكميّة. و هذا كافٍ في عدم جواز الاستدلال بها على العموم [٢].
ِیلاحظ علِیه: أنّ التعلِیل في الرواِیات کافٍ؛ فإنّ قوله علِیه السّلام: «لا ِینبغي لك أن تنقض الِیقِین بالشكّ أبداً» و أمثاله صرِیح في أنّ الِیقِین بحکم أو موضوع إذا لحقه الشك، فلا ِینبغي لك أن تنقضه بالشكّ أبداً. و هذا بِیان جامع کامل ِیؤِیّد بناء العقلاء علِی جرِیان الاستصحاب مطلقاً؛ مضافاً إلِی أنّ کثِیر من الناس لم ِیکن مثل زرارة قادراً علِی السؤال عن المعصوم علِیه السّلام مع أنّ حلال محمّد صلِی الله علِیه وآله حلال إلِی ِیوم القِیامة و حرامه حرام إلِی ِیوم القِیامة و لِیس الإسلام لأمثال زرارة فقط.
مؤِیّد القول الرابع
قال بعض الأصولِیِّین: «يؤيّد ذلك أنّ مورد جميع الروايات خاصّ بالشبهات الموضوعيّة؛ كالسؤال عن إصابة النجاسة بالثوب [٣]و وقوع النوم و عدمه [٤] في روايات زرارة و
[١] . الصحِیح: العصِیر.
[٢] . أنوار الأصول٣: ٣١٢- ٣١٣ (التلخِیص).
[٣] . عَنه [الحسين بن سعيد الأهوازي] عَنْ حَمَّادٍ [حمّاد بن عِیسِی الجهني: إماميّ ثقة من أصحاب الإجماع] عَنْ حَرِيزٍ [حرِیز بن عبد الله السجستاني] عَنْ زُرَارَةَ [زرارة بن أعِین الشِیباني: إماميّ ثقة من أصحاب الإجماع] قَالَ: قُلْتُ: أَصَابَ ثَوْبِي دَمُ رُعَافٍ [أي: الأنف] أَوْ غَيْرُهُ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مَنِيٍّ فَعَلَّمْتُ أَثَرَهُ إِلَى أَنْ أُصِيبَ لَهُ مِنَ الْمَاءِ فَأَصَبْتُ وَ حَضَرَتِ الصّلاة وَ نَسِيتُ أَنَّ بِثَوْبِي شَيْئاً وَ صَلَّيْتُ ثُمَّ إِنِّي ذَكَرْتُ بَعْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: «تُعِيدُ الصّلاة وَ تَغْسِلُهُ». قُلْتُ: فَإِنِّي لَمْ أَكُنْ رَأَيْتُ مَوْضِعَهُ وَ عَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهُ فَطَلَبْتُهُ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ فَلَمَّا صَلَّيْتُ وَجَدْتُهُ؟ قَالَ: «تَغْسِلُهُ وَ تُعِيدُ». قُلْتُ: فَإِنْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهُ وَ لَمْ أَتَيَقَّنْ ذَلِكَ فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، ثُمَّ صَلَّيْتُ فَرَأَيْتُ فِيهِ؟ قَالَ: «تَغْسِلُهُ وَ لَا تُعِيدُ الصّلاة». قُلْتُ: لِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ: «لأنّكَ كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طهارتكَ، ثُمَّ شَكَكْتَ؛ فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَنْقُضَ الْيَقِينَ بِالشكّ أَبَداً». قُلْتُ: فَإِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهُ وَ لَمْ أَدْرِ أَيْنَ هُوَ فَأَغْسِلَهُ؟ قَالَ: «تَغْسِلُ مِنْ ثَوْبِكَ النَّاحِيَةَ الَّتِي تَرَى أَنَّهُ قَدْ أَصَابَهَا حَتَّى تَكُونَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ طَهَارَتِكَ». قُلْتُ: فَهَلْ عَلَيَّ إِنْ شَكَكْتُ فِي أَنَّهُ أَصَابَهُ شَيْءٌ أَنْ أَنْظُرَ فِيهِ؟ قَالَ: «لَا وَ لکنَّكَ إِنَّمَا تُرِيدُ أَنْ تُذْهِبَ الشكّ الَّذِي وَقَعَ فِي نَفْسِكَ». قُلْتُ: إِنْ رَأَيْتُهُ فِي ثَوْبِي وَ أَنَا فِي الصّلاة؟ قَالَ: «تَنْقُضُ الصّلاة وَ تُعِيدُ إِذَا شَكَكْتَ فِي مَوْضِعٍ مِنْهُ ثُمَّ رَأَيْتَهُ وَ إِنْ لَمْ تَشكّ ثُمَّ رَأَيْتَهُ رَطْباً قَطَعْتَ الصّلاة وَ غَسَلْتَهُ، ثُمَّ بَنَيْتَ عَلَى الصّلاة؛ لأنّكَ لَا تَدْرِي لَعَلَّهُ شَيْءٌ أُوقِعَ عليكَ؛ فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ تَنْقُضَ الْيَقِينَ بِالشك». تهذيب الأحكام١: ٤٢١- ٤٢٢، ح ٨. (هذه الرواية مسندة و صحيحة).
[٤] . بِهَذَا الْإِسْنَادِ [ما أخبرني به الشيخ- أيّده الله (محمّد بن محمّد بن النعمان المفِید) عن أحمد بن محمّد بن الحسن (بن الولِید: مختلف فِیه و هو إمامي، ثقة ظاهراً) عن أبيه (محمّد بن الحسن أحمد بن الولِید) عن محمّد بن الحسن الصفّار عن أحمد بن محمّد بن عيسى (الأشعري)] عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ [الأهوازي] عَنْ حَمَّادٍ [حمّاد بن عِیسِی الجهني: إماميّ ثقة من أصحاب الإجماع] عَنْ حَرِيزٍ [حرِیز بن عبد الله السجستاني] عَنْ زُرَارَةَ [زرارة بن أعِین الشِیباني: إماميّ ثقة من أصحاب الإجماع] قَالَ: قُلْتُ لَهُ: الرَّجُلُ يَنَامُ وَ هُوَ عَلَى وُضُوءٍ أَ تُوجِبُ الْخَفْقَةُ وَ الْخَفْقَتَانِ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ؟ فَقَالَ: «يَا زُرَارَةُ قَدْ تَنَامُ الْعَيْنُ وَ لَا يَنَامُ الْقَلْبُ وَ الْأُذُنُ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنُ وَ الْأُذُنُ وَ الْقَلْبُ فَقَدْ وَجَبَ الْوُضُوءُ». قُلْتُ: فَإِنْ حُرِّكَ إِلَى جَنْبِهِ شَيْءٌ وَ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ؟ [أي: لا ِیحسّ به] قَالَ: «لَا حَتَّى يَسْتَيْقِنَ أَنَّهُ قَدْ نَامَ حَتَّى يَجِيءَ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ بَيِّنٌ وَ إِلَّا فَإِنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ وُضُوئِهِ وَ لَا يَنْقُضُ الْيَقِينَ أَبَداً بِالشَّكِّ وَ لَكِنْ يَنْقُضُهُ بِيَقِينٍ آخَرَ». تهذِیب الأحکام في شرح المقنعة١: ٨، ح ١١. (هذه الرواية مسندة، صحيحة ظاهراً). و طرِیق آخر للشِیخ الطوسيّ رحمه الله إلِی الحسِین بن سعِید الأهوازيّ في الفهرست: ١١٣: «عدّة من أصحابنا [منهم الشِیخ المفِید رحمه الله ] عن محمّد بن عليّ بن الحسين [بن بابوِیه القمّي] عن أبيه و محمّد بن الحسن [ابن الولِید] و محمّد بن موسى بن المتوكّل عن سعد بن عبد الله و الحميريّ عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن الحسين بن سعيد». و هو صحِیح بلا کلام؛ فالرواِیة مسندة و صحِیحة.