الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٤٩٦ - الدلیل الثالث
و إن أراد تتميم الدليل الأوّل بأن يقال إنّ دليل الاستصحاب إن كان غير الأخبار، فالأصل يتعارض من الجانبين و إن كانت الأخبار فلا دلالة فيها، ففيه أنّ الأصل إذا كان مدركه غير الأخبار و هو الظنّ النوعيّ الحاصل ببقاء ما كان على ما كان، لم يكن إشكال في أن الظنّ بالملزوم يوجب الظنّ باللازم و لو كان عادياً و لا يمكن حصول الظنّ بعدم اللازم بعد حصول الظنّ بوجود ملزومه. كيف و لو حصل الظنّ بعدم اللازم، اقتضى الظنّ بعدم الملزوم، فلا يؤثّر في ترتّب اللوازم الشرعيّة أيضاً.
و من هنا يعلم أنّه لو قلنا باعتبار الاستصحاب من باب الظن، لم يكن مناص عن الالتزام بالأصول المثبتة؛ لعدم انفكاك الظنّ بالملزوم عن الظنّ باللازم- شرعيّاً كان أو غيره- إلّا أن يقال إنّ الظنّ الحاصل من الحالة السابقة حجّة في لوازمه الشرعيّة دون غيرها، لكنّه إنّما يتمّ إذا كان دليل اعتبار الظنّ مقتصراً فيه على ترتّب بعض اللوازم دون آخر، كما إذا دلّ الدليل على أنّه يجب الصوم عند الشكّ في هلال رمضان بشهادة عدل، فلا يلزم منه جواز الإفطار بعد مضيّ ثلاثين من ذلك اليوم أو كان بعض الآثار ممّا لا يعتبر فيه مجرّد الظن إمّا مطلقاً، كما إذا حصل من الخبر الوارد في المسألة الفرعيّة ظنّ بمسألة أصوليّة، فإنّه لا يعمل فيه بذلك الظن، بناءً على عدم العمل بالظنّ في الأصول و إمّا في خصوص المقام، كما إذا ظنّ بالقبلة مع تعذّر العلم بها، فلزم منه الظنّ بدخول الوقت مع عدم العذر المسوّغ للعمل بالظنّ في الوقت. و لعلّ ما ذكرنا هو الوجه في عمل جماعة من القدماء و المتأخّرين بالأصول المثبتة في كثير من الموارد [١].
الدلِیل الثالث
قال الشِیخ الأنصاريّ رحمه الله : «إنّ معنى عدم نقض اليقين و المضيّ عليه هو ترتيب آثار اليقين السابق الثابتة بواسطته للمتيقّن و وجوب ترتيب تلك الآثار من جانب الشارع لا يعقل إلّا في الآثار الشرعيّة المجعولة من الشارع لذلك الشيء؛ لأنّها القابلة للجعل دون
[١] . فرائد الأصول، ج٢، ص: ٦٦١- ٦٦٢.