الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٥٧ - التقریب الثالث
قوله علِیه السّلام في ذيل الصحيحة: «و إنّما ينقضه بيقين آخر» ليس حكماً مجعولاً؛ ضرورة امتناع جعل إيجاب العمل على طبق اليقين؛ فإنّه بمنزلة جعل الحجّيّة و الكاشفيّة له؛ فلا محالة تكون هذه الجملة لتعيين الغاية للحكم المتقدّم، فتكون تأكيداً لاستمرار الحكم إلى زمان يقين آخر، أو لإفادة استمراره حتّى مع وجود الظنّ إن أرِید بالشكّ ما هو المصطلح، لا عدم العلم، فيفهم من هذه الغاية أنّ المتكلّم اعتبر ثلاثة أمور: اليقين السابق و الشكّ المستمرّ و اليقين المتأخّر، فقال: «إنّ حكم اليقين بالأمر السابق مستمرّ في زمان الشكّ و لا ترفع اليد عنه إلى زمان اليقين بخلافه» فاعتبار اليقين في ظرف الشكّ ممّا لا يساعد هذه الاعتبارات.
و بالجملة: إنّ التأمّل في الصحيحة صدراً و ذيلاً ممّا يشرف بالفقيه على القطع بأنّ اليقين في الكبرى هو اليقين المحقّق الفعليّ المتعلّق بالشيء في الزمان السابق، لا المقدّر المفروض في زمان الشك [١].
قال بعض الأصولِیِّین رحمه الله : «التحقيق: أنّ جميع ما أورده [الإمام الخمِینيّ رحمه الله ] [٢]على المحقّق الهمدانيّ رحمه الله قابل للمساعدة إلّا ما ذكرناه [٣] من الخلط في كلامه» [٤].
التقرِیب الثالث
قال المحقّق النائِینيّ رحمه الله : «إنّ المراد من نقض اليقين نقضه بما أنّه يستتبع الحركة على وفق المتيقّن، فأخذ اليقين في الأخبار إنّما يكون باعتبار كونه كاشفاً و طريقاً إلى المتيقّن. إنّ شيوع إضافة النقض إلى اليقين دون العلم و القطع إنّما يكون بهذا الاعتبار؛ فإنّه لم يعهد استعمال النقض في العلم و القطع. و ليس ذلك إلّا لأجل أنّ العلم و القطع غالباً يكون إطلاقهما في مقابل الظنّ و الشك، بخلاف اليقين؛ فإنّ إطلاقه غالباً يكون
[١] . الاستصحاب: ٣٥- ٣٦.
[٢] . الزِیادة منّا.
[٣] . ذِیل الإشکال الرابع.
[٤] . دراسات في الأصول (ط. ج)٤: ١١٧.