الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٤٧٠ - الإشکال الثالث
الشريعة اللاحقة مماثلةً للإباحة التي كانت في الشريعة السابقة. و النبوّة ليست ملازمةً للجعل؛ فإنّ النبيّ صلِی الله علِیه وآله هو المبلّغ للأحكام الإلهيّة.
و أمّا ما ذكره من أنّ بقاء حكم الشريعة السابقة يحتاج إلى الإمضاء في الشريعة اللاحقة، فهو صحيح، إلّا أنّ نفس أدلّة الاستصحاب كافية في إثبات الإمضاء و ليس التمسّك به من التمسّك بالأصل المثبت.
فإنّ الأصل المثبت إنّما هو فيما إذا وقع التعبّد بما هو خارج عن مفاد الاستصحاب؛ فكذا في المقام؛ فإنّ أدلّة الاستصحاب تدلّ على وجوب البناء على البقاء في كلّ متيقّن شكّ في بقائه، سواء كان من أحكام الشريعة السابقة، أو من أحكام هذه الشريعة المقدّسة، أو من الموضوعات الخارجيّة؛ فلا إشكال في استصحاب عدم النسخ من هذه الجهة» [١].
ِیلاحظ علِیه: أنّ کلامه رحمه الله في المقام ِینافي ما سبق منه من عدم جرِیان استصحاب عدم النسخ و أنّه لا أساس له [٢]، فراجع.
الإشکال الثالث
قال بعض الأصولِیِّین: «إنّ اللائح من الذكر الحكيم أنّ دور الشريعة اللاحقة تتجلّى تارةً في بيان موارد الاختلاف و أخرِی في نسخ بعض دون بعض. أمّا نسخ بعض و إبقاء بعض آخر، فهو الظاهر من كون النبيّ صلِی الله علِیه وآله مصدّقاً لما بين يديه من الکتاب، قال سبحانه: (وَ أَنْزَلْنا إليكَ الکتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الکتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ) [٣] فمعنى التصديق هو إبقاء ما ثبت في الشريعة السابقة؛ غاية الأمر لا كلّها، بل بعضها. و يؤيّد ذلك وجود المشترکات في المحرّمات و الواجبات في عامّة الشرائع.
و ما ربّما يقال من أنّ تشريع هذه المشترکات في الشريعة الإسلاميّة دليل على محق [٤]
[١] . مصباح الأصول (مباحث الحجج و الأمارات)٣: ١٥٠ (التلخِیص).
[٢] . في أوائل التنبِیه السادس.
[٣] . المائدة: ٤٨.
[٤] . أي: تلف، نقصان، هدم.