الشافی فی أصول الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٢٤٤ - القول الثالث
إلّا في هذا القسم. و أمّا القسم الأوّل فالحكم و الموضوع مقطوع الارتفاع فيه، لا لأنّ الحاكم هو العقل و لا يعقل الشكّ في حكمه؛ إذ فيه:
أوّلاً: ما عرفت من عدم الحكم للعقل إلّا التعقّل و الإدراك، فلا محالة يكون ثبوت المدرك من غير ناحية العقل- الذي فعليّة حكمه فعليّة التعقّل- بل من ناحية العقلاء.
و ثانياً: إذا كان المناط في حكم العقل، عنواناً لموضوعه، و لأجله يشكّ في بقاء الموضوع، فكيف يتصوّر القطع بعدم حكم العقل؟ مع أنّ العلّة و المعلول متلازمان- قطعاً و ظنّاً و شكّاً- فإذا كانت العلّة مشكوكة، فلا محالة يكون المعلول مشكوكاً، لا مقطوع العدم، سواء أرِید به حكم العقل أو حكم الشرع؛ إذ المفروض أنّه لا علّة له إلّا ما هو العلّة لحكم العقل.
فهو شاهد على ما ذكرنا: أنّ الإضرار- بعنوانه الملتفت إليه الصادر بالاختيار- هو المناط و الموضوع لحكم العقل بالذمّ و هو بعينه موضوع حكم الشرع.
و مع عدم هذا العنوان- المتقوّم علّيّته موضوعيّته بالالتفات و القصد و العمد إليه وجداناً- لا حكم بالذمّ عقلاً و لا بالعقاب شرعاً، من دون انثلام قاعدة التلازم بين العلّة و المعلول في جميع المراتب.
و ممّا ذكرنا اتّضح أيضاً: أنّ انتفاء الحكم العقليّ- المستلزم للحكم الشرعيّ- ليس من باب انتفاء الكاشف و الواسطة في الإثبات فقط [١]ليقال بأنّ انتفاء الكاشف لا يستدعي انتفاء المكشوف.
غاية الأمر أنّ العقل لا استقلال له إلّا في تلك الحال و هو لا يقتضي عدم المناط واقعاً، حتّى يحكم بانتفاء الحكم شرعاً. و ذلك لأنّ المناط- و هو الإضرار- ليس بوجوده الواقعيّ مناطاً ليعلم و يشكّ فيه تارةً أخرِی، بل بوجوده في وعاء وجدان العقل.
[١] . هذا إشکال علِی المحقّق الخراسانيّ رحمه الله الذي ذهب إلِی أنّ الملازمة بِین الحکم الشرعيّ و العقليّ في مقام الإثبات، لا في مقام الثبوت و ذهب المحقّق الاصفهانيّ رحمه الله إلِی أنّ الملازمة المذکورة في مقام الإثبات و الثبوت و لکن عبّر عن مقام الإثبات و الثبوت بالواسطة في الإثبات و الثبوت.