تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٩٤ - هرق هرق
نَظَرَها في المِصْبَاحِ بدَحْرَجَ المُتَّفَقُ عَلَى أَصْلِيَّة حُرُوفِهِ، و لهذَا تُزَادُ الأَلف عَلَى هَرَاق فيُقَالُ: أَهْرَاق في لُغَةٍ كما مَرَّ، ثم قالَ: فإنْ قُلْتَ تَقَدَّمَ أَنَّ الهاءَ بَدَل مِنَ الأَلفِ، و إذا كانَ كذلِكَ فمَا وَجْه الجَمْع بَيْنها و بَيْن الهاءِ، و القاعِدَة أَنَّه لا يُجْمَع بَيْن العِوَضِ و المُعَوَّض عَنْه، قُلْت: هذا هو الذي أَشَارَ إليه في التَّهْذِيبِ و قالَ إنَّه خطأٌ فِي القِيَاسِ، حيْثُ قالَ:
مَنْ قالَ أَهْرَقْتُ فهو خطأٌ في القِيَاسِ، و وَجْه تَخْطِيئه هو ما يَلْزم مِنَ الجَمْع بَيْن العِوَضِ و المُعَوَّض مِنْه، و جَوَابُه هو مَا أشَارَ إِليه الجَوْهَرِيُّ بقَوْلِه: قالَ سِيْبَوَيْه و قَدْ أَبْدَلُوا مِنَ الهَمْزَةِ الهاءَ ثم أُلْزِمَتْ فصَارَتْ كأنّها مِنْ نَفْسِ الكَلِمَة، ثم أُدْخِلت الأَلف بَعْدُ عَلَى الهاءِ و تُرِكت الهَاء عِوَضاً مِنْ حَذْفِهم حَرَكَةَ العَيْن فكَمُلَ الغَرَضُ و انْتَفَى ما قِيلَ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ العِوَضِ و المُعَوَّض مِنْه، و لذلِكَ قالَ في المِصْبَاحِ: إِنَّ الكَلِمَة لا تَصِيْر بزِيَادَةِ الهاءِ خُمَاسِيَّة، و نَظَرُوا هذا الفِعْل بأَسْطاعَ يُسْطِيْع بقَطْعِ الهَمْزةِ في المَاضِي و ضمَّ الياءِ في المُسْتَقْبل مَعَ أَنَّه في الظاهِرِ خُمَاسِيٌّ، و ليْسَ في العَرَبيَّة فِعْل خُمَاسِيٌّ مُبْتَدأ بهَمْزةِ قَطْع كما أنَّه لا يضمُّ حَرْفُ المُضَارَعَةِ إلاَّ مِنَ الرُّباعِي و جَوَابُه أَنَّ الفِعْل رُباعِيّ، و أنَّ السِّين زَائِدَة عِوَضاً مِنْ ذهابِ حَركَةِ العَيْن، و هو مَذْهَبُ الأَخْفَشِ و مُتَابِعِيهِ فلا يكونُ الفِعْل بها خُمَاسِيّاً كما في المِصْبَاحِ و غَيْرِهِ، و مِثْله أَهْرَاق عِنْد الجَوْهَرِيّ و لا ثالِثَ لها.
قُلْتُ و قُدِّم في ط و ع لسِيْبَوَيْه و يُوْنُس مِثْل قَوْل الأَخْفَشِ، ثم قالَ: و لا اعْتِدَاد بمَا ذَهَبَ إليه السهَيْلِيّ في الرَّوْضِ مِنْ أَنَّهم قَدْ يَجْمَعُون أَحْيَاناً بَيْنَ العِوَضِ و المُعَوَّض و مِثْله بأَهْراقَهُ لأَنَّه لا يدعى إلاَّ إذا وَجَبَ لُزُومه، و قَدْ أَمْكَن عَدَمه فتَبْقَى القاعِدَة عَلَى أَصْلِها وزنَةُ يُهَرِيقُ بفتح الهاءِ يُهَفْعِلُ كيُدَحْرِجُ و زنة مُهَراقٌ بالتحريكِ مُهَفْعَلٌ كمُدَحْرِجٍ نَقَلَه الجَوْهَرِيّ و الصَّاغانيُّ قالا: و أَمَّا يُهرِيقُ و مُهْراقٌ بتسكينِ هائِهما فلا يُمْكِنُ أن يُنْطَقَ بهما [١] لأَنَّ الهاءَ و الفاءَ جميعاً ساكِنانِ قال شيْخُنا: و قد عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّم أنّ كَلامَ الجَوْهَرِيُّ فيه تَخْلِيْط و تقديم و تأخير، فإِنَّ ظاهِرَه أو صَرِيْحه يَقْتَضِي أنَّ كَلامَ سِيْبَوَيْه رحِمه اللََّه تعالَى في أَهْرَقَ بإِثْبَاتِ أَلِف التَّعَدِيةِ و حَذْفِ الألفِ التي هي عَيْن الكَلِمَةِ الجَائي عَلَى أَفْعَلَ يُفْعِلُ لأنَّه أَتَى بنصِّ سِيْبَوَيْهِ عقبَ قَوْلِه علىأَفْعَل يُفَعِلُ و ليْسَ كذلِكَ، بَلْ كَلام سِيْبَوَيْه في أَهْرَاقَ بإثْبَاتِ الألِفَين أَلِفِ التَّعْدِيَة و عَيْن الكَلِمَة، و مِن تَتمَّةِ الكَلامِ عَلَيه تَنْظِيْره بأَسْطَاع يُسْطِيْع في إنَابةِ حَرْفٍ عَنْ حركَةٍ و انْتِفَاءِ كَوْنِ الكَلِمَةِ خُمَاسِيَّة و إنْ كَانَتْ في الظاهِرِ كذَلِكَ، و قَدْ فَصلَ هو بيْنَهما حتَّى قالَ فِيْه لُغَة ثالِثَةٌ، فكانَ عَلَيه أنْ يُؤَخِّر قَوْله: قالَ سِيْبَوَيْه إلى قَوْلِه: و فِيْه لُغَة ثالِثَة أَهْرَاق ثم يقُوْلُ: قالَ سِيْبَوَيْه الخ؛ يقُوْلُ هذا شاذٌّ و نَظِيْره الخ، و حِيْنَئذٍ يحسن كَلاَمه و يَسْتَقِيم نِظَامه.
قُلْتُ: و قَدْ قَدَّمْنَا عَنِ ابنِ بَرِّيّ تَحْقِيْق ذلِكَ و تَفْصِيْله، و قَدْ نَبَّه عَلَى ذلِكَ أَبو سَهْلٍ الهَرَويّ و أبو زَكَرِيَّا التَّبْرِيْزيّ و ابنُ مَنْظُورٍ و الصَّلاح و غَيْرُهم، ثم قالَ شَيْخُنَا: و العَجَبُ مِنَ المَجْدِ كيف سَهَا عَنْ هذا التَّخْلِيْط و احْتَاجَ إلى التَّغْلِيْط، و كانَ ادِّعَاؤهُ غَيْر تامٍّ و قامُوْسُه غَيْر مُحِيْط مَعَ شِدَّة تَبَجُّجه بإيْرَادِ الغلطاتِ و كَثْرة إِظْهَارِه الصَّوَاب عَلَى مَنَصَّات السَّقَطَات، و اللَّهُ المُوَفِّق؛ ثم قالَ: و قَدْ علمَ ممَّا مَرَّ أنَّ هذا الفِعْل فيه لُغَات:
الأُوْلَى هذهِ التي صَدَّرُوا بها و هي هَرَاقَ هِرَاقةً كأَرَاقَ إِرَقةً؛ الثانِيَة: أهْرَقَ إِهْرَاقاً كأَكْرَمَ إكْرَاماً و كأنَّ الهاءَ في هذه أصْلِيَّة؛ الثالِثَة: أَهْرَاقَ بأَلفٍ قَطْعِيَّة و هاءٍ ساكِنَةٍ يُهْرِيقُ بياءٍ بَعْد الرَّاءِ عِوَضاً عَنِ الأَلِفِ الثانِيَةِ في المَاضِي.
قُلْتُ و هذه الثَّلاثَةُ قَدْ ذَكَرَهنَّ الجَوْهَرِيُّ و الصَّاغانِيُّ.
الرابعة: هَرَقَ كمَنَعَ بناء عَلَى أصَالة الهاءِ.
قُلْتُ و قَدْ نَقَلَها الفَيُّومِي في المِصْبَاحِ [٢] .
و الخَامِسَة: هي الأَصْلُ التي هي أَرَاقَ إرَاقَةً، و قَدْ قالُوا إنَّ أَفْصَحَ هذه اللّغَاتِ هَرَاقَ .
قُلْتُ: نَقَلَها اللَّحْيَانيُّ و قالَ: هي لُغَة يَمَانِيَّة ثم فَشَتْ في مِصْرَ ثم أَرَاقَ التي هي الأَصْل.
قُلْتُ: و تَقَدَّمَ الاخْتِلاف في كَوْنِ أرَاقَ وَاويّاً كما ذَهَبَ إليه ابنُ سِيْدَه، أَو يائِيّاً كما نُقِلَ عَنِ الكِسَائِي و اقْتَصَرَ عَلَيه
[١] على هامش القاموس عن نسخة أخرى: به.
[٢] في المصباح: و تقول هَرَقْتُه هَرْقاً من باب نَفَع.