تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٩٣ - هرق هرق
و قالَ جَرِير العِجْلِي، و يُرْوَى للأَخْطَلِ و هي في شِعْره:
إِذا ما قُلْتُ قَدْ صالَحْتُ قَوْمِي # أَبَى الأَضْغَانُ و النسبُ البَعيدُ [١]
و مُهْراقُ الدِّماءِ بوَارِدَاتٍ # تَبِيدُ المُخْزِياتُ و لا تَبِيدُ
قالَ: و الفاعِلُ مِنْ أَهْرَاقَ مُهْريقٌ ، و شاهِدُه قَوْل كُثَيِّر:
فأَصْبَحْتُ كالمُهْرِيقِ فَضْلَةَ مائِهِ # لضَاحِي سَرَابٍ بالَمَلا يَتَرَقْرَقُ [٢]
و قالَ: العُدَيْلُ بنُ القَرْخ [٣] :
فكنْتُ كمُهْرِيقِ الذي في سِقائِهِ # لِرَقْرَاقِ آلٍ فَوْقَ رابيةٍ جَلْدِ
و قالَ آخَرُ:
فظَلَلْتُ كالمُهْرِيقِ فَضْلَ سِقائِهِ # في جَوِّها جِرَةٍ لِلَمْعِ سَرابِ [٤]
و شاهِدُ الإِهْرَاقةِ في المَصْدر قَوْل ذِي الرِّمّةِ:
فلمَّا دَنَتْ إِهْرَاقَةُ الماءِ أَنْصَتَتْ # لأَعْزِلَةٍ عَنْها و في النَّفْسِ أَن أُثْنِي
و أصْلُه أي أصْلُ هَرَاقِ الماءِ كما هو نَصّ الصِّحاحِ.
أَراقَةُ يُريقُه إراقَةً قالَ: و أَصْلُ أراقَ أرْيَقَ قالَ ابنُ بَرِّي:
أَصْلُ أَرَاقَ أَرْوَقَ بالوَاوِ لأَنَّه يُقالُ رَاقَ الماءُ رَوْقَاناً انْصَبَّ، و أَرَاقهُ غَيْره صَبَّه، قالَ و حَكَى الكِسَائِي رَاقَ الماءُ يَرِيقُ انْصَبَّ، قالَ: فَعَلَى هذَا يَجُوْزُ أَنْ يكونَ أَصْلُ أَرَاقَ اليَاء.
قُلْتُ: و لكنَّ ابنَ سِيْدَه قَوَّى قَوْلَهم أنَّ أَصْلَ أَرَاقَ أَرْوَقَ، قالَ: و إِنَّما قضى عَلَى أَنَّ أَصْلَه أَرْوَقَ لأَمْرَين: أَحَدُهُما أنّ كَوْنَ عَيْنُ الفِعْل وَاواً أَكْثر مِنْ كَوْنِها ياءً فيمَا اعْتَلَّتْ عَيْنه؛ و الآخَر: أنَّ الماءَ إذا هريق ظَهَرَ جَوْهَره و صَفَا فراق رائيه يروقه فهذَا يُقَوِّي كَوْنَ العَيْنِ مِنْه وَاواً انْتَهَى.
و قَدْ مَرَّ في رَوَقَ عَنِ ابنِ بَرِّي: أَرَقْتُ الماءَ مَنْقُول مِنْ رَاقَ الماءَ يُرِيق رَيقاً إذا تَردَّدَ عَلَى وَجْه الأَرْضِ، فعَلَى هذَاحق أَرَاقَ أنْ يُذْكَرَ في رَيَقَ لا رَوَقَ، فقَوْلُه هذا يُقَوِّي قَوْلَ الكِسَائِي، و مِثْل ذلِكَ نَصّ المِصْباحِ، رَاقَ الماء و الدَّم رَيقاً مِنْ بابِ بَاعَ انْصَبَّ وَ يَتَعَدَّى بالهَمْزةِ فيُقَالُ أَرَاقَه صاحِبُه و هو مُريقٌ و مُرَاقٌ، و تُبْدَلُ الهَمْزة هاءً، فيُقالُ هَرَاقَه ، ثم قال:
و أَصْلُ يُريقُ يُرْيِقُ عَلَى وَزْنِ يُكْرِمُ و أَصْلُ يُرْيِقُ يُأَرْيِقُ عَلَى وَزْنِ يُدَحْرِجُ ثم قال: و إِنّما قالوا أُهَرِيقُه بضمِ الهَمْزةِ و فَتْح الهاءِ، و لم يقولوا أأرِيقُه لاسْتِثْقالِ الهمزتينِ و قَدْ زَالَ ذَلِكَ بَعْدَ الإِبْدَالِ انْتَهَى.
قُلْتُ: و قالَ بَعْضُ النَّحويِّين إنما هو هَرَاق يُهَرْيقُ لأَنَّ الأَصْلَ مِنْ أَرَاقَ يُرِيْقُ يُأَرْيِقُ لأَنَّ أَفْعَل يُفْعِلُ، في الأَصْدِ، كان يُأَفْعِل فقَلَبُوا الهَمْزَة التي في يُؤَرْيقُ هاءً فقِيلَ يُهَرْيقُ ، فلِذَا تَحَرَّكَت الهاء، نَقَلَه ابنُ سِيْدَه. و في المِصْبَاحِ [٥] : و قَدْ يُجْمَع بَيْن الهاءِ و الهَمْزةِ فيُقالُ: أَهْرَاقَه يُهْرِيقه سَاكِن الهاءِ تَشْبِيْهاً له بأسْطَاع يُسْتطِيع كأَنَّ الهَمْزَةَ زِيْدَت عِوَضاً عَنْ حَرَكَةِ الياءِ في الأَصْلِ، و لهذا لا يَصِيْر الفِعْل بهذه الزِّيادَةِ خُمَاسِيّاً.
و في التَّهْذِيبِ: مَنْ قالَ: أَهْرَقْتُ فهو خَطَأٌ في القِيَاسِ انْتَهَى.
قُلْتُ: نَصّ الأَزْهَرِيّ في التَّهْذِيبِ: هَرَاقَتِ السَّماءُ مَاءَها تُهَرِيقُ ، و الماءُ مُهَراق ، الهاءُ في ذَلِكَ كُلِّه مُتَحَرِّكَةٌ لأَنَّها لَيْسَت بأَصْلِيَّة إِنَّما هي بَدَلٌ مِنْ هَمْزَةِ أَرَاقَ، قال: هَرَقْتُ مِثْل أَرَقْتُ، و مَنْ قالَ: أَهْرَقْت فهو خطأٌ في القِيَاسِ، قالَ:
و مِثْل قَوْلهم: هَرَقْتُ و الأصْل أَرَقْتُ قَوْلُهم: هَرَحْتُ الدَّابةَ و أَرَحْتُها، و هَنَرْتُ النارَ و أَنَرْتُها، قال: و أَمَّا لُغَةُ مَنْ قالَ أَهْرَقْتُ الماءَ فهِي بَعِيْدةٌ.
قالَ أَبو زَيْدٍ: الهاءُ مِنْها [٦] زَائِدَة كما قالُوا: أَنْهَأْتُ اللّحْمَ، و الأصْل أَنَأْته بوَزْنِ أَنَعْتُه؛ قالَ شَيْخُنا: و إِنَّما أَوْجَبُوا فَتْح الهاءِ لا حَذْفَها لِأمْرَيْن: أَحَدُهما: أَنَّ مُوجِبَ الحَذْفِ الذي هو اجْتِمَاع هَمْزَتَيْن قَدْ زَالَ و ذَهَبَ بإبْدَالِها هاءً، و هذا هو الذي أَشَارَ إليه الجَوْهَرِيُّ بقَوْلِه و تَبِعه المُصَنِّفُ، و إنَّما قالُوا: أهريقه الخ. الثاني: أَنَّه لمَّا كَثُرَ اسْتِعْمال هذا الفِعْل عَلَى هذا الوَجْهِ و شَاعَ دَوَرَانه كذلِكَ تُنُوسِي في الهاءِ مَعْنَى الزِّيادَةِ، و صَارَتْ كأَنَّهَا أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الكَلِمَةِ، و لذلِكَ
[١] ديوانه و اللسان.
[٢] ديوانه و اللسان.
[٣] في اللسان: الفرخ.
[٤] اللسان.
[٥] انظر المصباح المنير «الريق» .
[٦] في التهذيب: «فيها» .