تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٩٥ - هرق هرق
صاحِبُ المِصْبَاحِ، ثم أَهْرَاق بإِثْباتِ الأَلِفَين، ثم أَهْرَقَ عَلَى أَفْعَل ثم هَرَقَ كمَنَعَ.
قُلْتُ: و لَعَلَّ وَجْه أَفْصَحِيَّة أَهْرَاق بالأَلِفَين عَلَى أَهْرَق كأَكْرَم أنَّ في الثاني مخالَفَةِ القِيَاسِ و الشُّذُود و هو الجَمْعُ بَيْن البَدَلِ و المُبْدل كما تَقَدَّمَ، ثم قالَ شَيْخُنَا: و قَدْ أَخْطَأ المُصَنِّفُ في ذِكْره هُنَا لأَنَّ مَوْضِعه رَوَقَ عِنْدَ قَوْمٍ أَوْ رَيَقَ عِنْد آخَرِين، فالصَّوَابُ أنْ يُذْكَرَ في فَصْل الرَّاءِ؛ و أَمَّا الهاء فإنَّما هي بَدَل عَنْ أَلِفِ التَّعْدِيةِ التي لَحِقَتْ رَاق فقالوُا:
أَرَاقَ ، ثم أَبْدَلُوا فقالُوا: هَرَاقَ كما في المِصْبَاحِ و غَيْرِه، و أمَّا غَيْرها مِنَ اللّغَاتِ التي الهاء فيها بَدَل عَنْ أَلِف التَّعْدِيةِ فلا وَجْه لذِكْره هُنَا بوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ و قَدْ وَقَعَ الغَلَطُ فيه لأَقْوَامٍ مِنْ أَئِمَّة اللغَةِ مِنْهم ثَعْلَب في الفَصِيْح فإِنَّه ذَكَرَه في بابِ فِعْل الثلاثيِّ بغَيْرِ ألِفٍ و إِنْ تَكَلَّف بَعْضُ شُرَّاحِه الجَوَابَ عنه بأنَّه صَارَ في صُوْرة الثلاثيِّ أو غَيْر ذلِكَ ممَّا لا يَنْهَض، و وَقَعَ الغَلَطُ فيه للقَزَّازِ في الجامِعِ و اعْتَذَر هو عَنْ ذلِكَ بكَلامٍ تَرْكه أَوْلَى مِنْ ذِكْرِه، و عَلَّلَه بأنَّ الهاءَ فيه لازِمَة للبَدَلِ فكَانَتْ كالأَصْل، و المُصَنِّفُ تَبعَ الجَوْهَرِيَّ في ذِكْرِه في فَصْلِ الهاءِ، و يُمْكِن أن يُجَابَ عَنْه بأنّه قَصَدَ إلى ذِكْرِ هَرَقَ الثلاثيّ، و أمّا غَيْرُها مِنَ اللغَاتِ فَذَكَرَها اسْتِطرَداً ا هـ.
قُلْتُ: لم يَنْفَرِد الجَوْهَرِيُّ بإيراد ذَلِكَ في فَصْلِ الهاءِ بَلْ أَوْرَدَه و جمَاعَةٌ أَيْضاً في فَصْلِ الهَاءِ مِنْهم ابنُ القَطَّاعِ في أَفْعَالِه و الصَّاغَانيُّ في العُبَابِ و التكْمِلَةِ و صاحِبُ اللسَانِ، و كَفَى للمُصَنِّفِ بهَؤُلاءِ قُدْوَةً، و قَوْله في الجَوَابِ عَنِ المُصَنِّفِ بأنَّه قَصَدَ إلى ذِكْرِ هَرَقَ الثلاثيِّ الخ، هذا إنَّما يَسْتَقِيم إذا كانَ ذَكَرَ هذه اللغَةِ أَوّلاً ثم اسْتَطْرَدَ بقِيَّة اللغَاتِ و هو لم يَذْكر هَرَقَ أَصْلاً، بَلْ و لم يَذْكر في التَّرْكِيبِ مِنْ مادَّةِ الثلاثيِّ غَيْر الهِرقِ بالكسرِ للثَّوْبِ الخَلِقِ و الذي تَطْمَئِن إليه النَّفْس في الاعْتِذَار عَنْ ذِكْرِ هَؤْلاءِ هذَا الحَرْف في هذَا التَّرْكِيب كَثْرة اسْتِعْمَالِه عَلَى هذا الوَجْهِ و شِيُوع دَوَرَانِه كذلِكَ حتَّى تُنُوسِيَ في الهاءِ مَعْنى الزِّيادَةِ و صَارَتْ كأَنَّها أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الكَلِمَة، و هذَا الجَوَابُ قَرِيبٌ مِنْ جَوَابِ القَزَّاز بَلْ فيه تَفْصِيْل لكَلاَمِه فتأمَّلْ. و قَدْ سَبَقَ لنا قَرِيباً مِنْ هذا الكَلاَمِ فِي ه ن ر و غَيْرِه في مَوَاضِع مِنْ هذا الكِتَابِ ثم قالَ شَيْخُنَا تَنْبِيْهان:
الأَوَّل: الهاء في هَرَاقَ بَدَل مِنَ الأَلِفِ إجْمَاعٍ كما مَرَّ و في أَهْرَقَ يَجِبُ أنْ تكونَ أَصْلِية لأَنَّهم نَظَرُوه بأَكْرَمَ و قالُوا عَلَى أَكْرَمَ، و في هَرَقَ عِنْد مَنْ أَثْبَتَه أَصْلِية هي فاء الكَلِمَة، كما لا يَخْفَى، لأَنَّه لا يَحْتَمِل غَيْره و قَدْ حَكَاها أبو عُبَيْدٍ في الغَرِيبِ المُصَنَّف و اللّحْيانيُّ في نَوَادِره فقالَ: إِنَّها بَعْدِ اللغَاتِ و هي لبَنِي تَغْلِب.
قُلْتُ: و قَدْ ذَكَرَها ابنُ القَطَّاع في أَفْعالِهِ و الفَيُّومِي في مِصْبَاحِهِ كما مَرَّ.
الثاني: لا يَخْتص هذا الإِبْدَال بأَرَاقَ كما تَوَهَّمَه جماَعةٌ بَلْ قالَ شُرَّاحُ الفَصِيْح و أَكْثَر شرَّاح الكِتَابِ و غَيْرهُم: أَنَّه جاءَ في الأَفْعَال كُلِّها مُعْتَلها و غَيْر مَعْتَلها، و قالُوا: العَرَبُ تبدل مِنَ الهَمْزَةِ هاءً و مِنَ الهاءِ هَمْزةً للقُرْبِ الذي بَيْنَهما مِنْ حَيْثُ أَنَّهما مِنْ أَقْصَى الحَلْقِ فجازَ أَنْ يُبْدَل كُلٌّ مِنْهما مِنْ صاحِبِه، و ذَكَرُوا وُجُوهاً مِنَ الإِبْدَال خارِجَةً عَنْ بَحْثِنا، و الذي عِنْدِي أنَّ هذا الإِبْدَالَ إنَّما يَصُحّ في المُعْتَل مِنَ الأَفْعَالِ خاصَّةً كأَرَاقَ لأَنَّهُم إنَّما مَثَّلُوا بأَشْبَاهِه قالُوا: إنَّه سُمِعَ مِنَ العَرَبِ قَوْلُهم في أَرَاحَ ماشِيَتَه هَرَاحَ، و في أَرَادَ هَرَادَ، و في أَقَامَ هَقَامَ، و لم يَذْكروه في شَيْءٍ مِنَ الصَّحِيح أَصْلاً، لم يَقُولُوا في أَعْلَم مَثَلاً هَعْلَم، و لا في أَكْرَم هَكْرَم، فالطّاهِرُ اخْتِصَاصه به و إنَّ كَلاَمَهم عامّاً فلا يُعْتَدُّ به.
قُلْتُ: و قَدْ ذَكَرَ الأَزْهَرِيُّ: هَنَرْتُ النارَ و أَنَزْتُها، و سَبَقَ للمُصَنِّفِ أَنَرْتُ الثَّوْبَ و هَنَرْتُه. و نَقَلَ أَبو زَيْدٍ قَوْلَهم: أَنْهَأْتُ اللحْمَ قالَ: و الأَصْل أَنَأْته بوَزْنِ أَنَعْتُه فينْظَر هذَا مَعَ كَلامِ شَيْخِنا هذَا غايةَ ما تَنْتَهي إليه عِنَايَة المُتَأَمِّل في بَحْثِ هذا المَقَامِ و تَحْقِيْقه عَلَى أَكْمَلِ المَرامِ و اللََّه حَكِيْمٌ علاَّمٌ.
و المُهْرَقُ كمُكْرَمٍ: الصَّحِيفَةُ عَنِ الأَصْمَعِيُّ، و زَادَ اللّيْثُ: البَيْضَاءُ يُكْتَبُ فيها، قالَ الأَصْمَعِيُّ، هو فارسِيٌّ، مُعَرَّبٌ ، قالَ الصَّاغانيُّ: تَعْرِيب مهره، و قالَ غَيْرُه:
المُهْرَاق : ثَوْبٌ حَرِيرٌ أَبْيَض يُسْقَى الصمغَ و يُصْقَلُ ثم يُكْتَبُ فيه. و في شَرْحِ معلَّقةِ الحَرثِ بنِ حلَّزَة كانُوا يَكْتِبُون فيها قَبْلَ القَرَاطِيْس بالعِرَاقِ و هو بالفارِسِيَّة مُهْره كَرْد [١] ، و إنَّما قِيلَ له ذلِكَ لأَنَّ الذي يُصْقَل بها يُقالُ لها بالفارِسِيَّة: مَهْره، و في شَرْحِ الحَمَاسَةِ تَكَلَّمُوا بها قَدِيماً، و قَدْ يخص بكتابِ العَهْدِ قالَ حَسَّانُ رَضِيَ اللَّهُ عنه:
[١] في التهذيب: «مُهْرَه كَررَّ» و في اللسان: «مُهْر كَرْد» .