تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ١٢١ - خلق خلق
وَ اَلْأَمْرُ [١] و فَتَبََارَكَ اَللََّهُ أَحْسَنُ اَلْخََالِقِينَ [٢] قالَ ابْنُ الأَنْبارِيّ: مَعْناه أَحْسَنُ المُقَدِّرِينَ، و قولُه تَعالى:
وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً [٣] أَي: تُقَدِّرُونَ كَذِباً، و قولُه تعالى:
أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ اَلطِّينِ [٤] خَلَقُه : تَقْدِيرُه، و لم يُرِدْ أَنَّه يُحْدِثُ مَعْدُوماً.
و الخالِقُ في صِفاتِه تَعالَى و عَزَّ: المُبْدِعُ للشَّيْءِ، المُخْتَرِعُ على غَيْرِ مِثالٍ سَبَقَ و قالَ الأَزْهَرِيُّ: هو الّذِي أَوْجَدَ الأشْياءَ جَمِيعَها بعدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً، و أَصْلُ الخَلْق : التَّقْدِيرُ، فهُوَ باعْتِبارِ ما منه وُجُودُها مقدِّرٌ و بالإعتبار للإِيجادِ على وَفْقِ التَّقْدِيرِ خالِقٌ .
و يُسَمُّونَ صانعَ الأَدِيمِ و نَحْوِه الخالِقَ ؛ لأَنّه يُقَدِّرُ أَولاً، ثُمَّ يَفْرِي.
و من المَجازِ: خَلَقَ الإِفْكَ خَلْقاً : إِذا افْتَراهُ، كاخْتَلَقَه و تَخَلَّقَه ، و منه قولُه تَعالَى: وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً و قُرِىءَ: إِنْ هَذا إِلاّ خَلْقُ الأَوَّلِينَ [٥] أَي: كَذِبُهُمْ و اخْتِلاقُهُمْ، و قَوْلُه تعالى: إِنْ هََذََا إِلاَّ اِخْتِلاََقٌ [٦] أَي: تَخَرُّصٌ و كَذِبٌ.
و خَلَقَ الشَّيْءَ خَلْقاً : مَلَّسَه و لَيَّنَه.
و من المَجازِ: خَلَقَ الكَلامَ و غَيْرَه : إِذا صَنَعَه اخْتِلاقاً.
و تَقُولُ العَرَبُ: حَدَّثَنا فُلانٌ بأَحادِيثِ الخَلْقِ ، و هي الخُرافاتُ من الأَحادِيثِ المُفْتَعَلَة.
و خَلَقَ النِّطْعَ و الأَدِيمَ، خَلْقاً ، و خَلْقَةً ، بفَتْحِهما : إِذا قَدَّرَه و حَزَرَه، أَو قَدَّرَه لما يُرِيدُ قَبْلَ أَنْ يَقْطَعَه و قاسَه لِيَقْطَعَ مِنْهُ مَزادَةً، أَو قِرْبَةً، أَو خُفًّا فإِذا قَطَعَه قِيلَ: فَراهُ. قالَ زُهَيْرٌ يمدَحُ هَرِمَ بنَ سِنانٍ:
و لأَنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ و بَعْ # ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي [٧]
أَي: أَنْتَ إِذا قَدَّرْتَ أَمراً قَطَعْتَه و أَمْضَيْتُه، و غَيْرُك يُقَدِّرُ ما لا يَقْطَعُه؛ لأَنَّه ليس بماضِي العَزْمِ، و أَنْتَ مَضّاءٌ على ما عَزَمْتَ عليه.
و قالَ اللَّيْثُ: و هُنَّ الخالِقاتُ ، و منه قَوْلُ الكُمَيْتِ:
أَرادُوا أَنْ تُزايِلَ خالِقاتٌ # أَدِيمَهُمُ يَقِسْنَ و يَفْتَرِينَا
يَصِفُ ابْنَيْ نِزارِ بنِ مَعَدٍّ، و هُما رَبِيعَةُ و مُضَرُ، أَرادَ أَنَّ نَسَبَهم و أَدِيمَهُم واحِدٌ، فإِذا أَرادَ خالِقاتُ الأَدِيمِ التَّفْرِيقَ بينَ نَسَبِهم تَبَيَّنَ لهم [٨] أَنّه أَدِيمٌ واحِدٌ لا يَجُوزُ خَلْقُه للقَطْعِ، و ضَرَب النِّساءَ الخالِقاتِ مَثَلاً للنَّسّابِينَ الَّذِينَ أَرادُوا التَّفْرِيقَ بينَ ابْنَيْ نِزارٍ، و ١٦- في حَدِيثِ أُخْتِ أُمَيَّةَ بنِ أَبِي الصَّلْتِ : «قالَتْ: فدَخَلَ عليَّ و أَنا أَخْلُقُ أَدِيماً» . أَي: أُقَدِّرُه لأَقْطَعَه، و ١٧- قالَ الحَجّاجُ : «ما خَلَقْتُ إِلاَّ فَرَيْتُ، و ما وَعَدْتُ إِلاَّ وَفَيْتُ» .
و خَلَقَ العُودَ: سَوّاه، كخَلَّقَه تَخْلِيقاً ، و منه قِدْحٌ مُخَلَّقٌ ، أَي مُسْتَوٍ أَمْلَسُ مُلَيَّنٌ، و قيل: كُلُّ ما لُيِّنَ و مُلِّسَ فقد خُلِّقَ ، و أَنْشَد الجَوْهَرِيُّ للشاعِرِ يَصِفُ القِدْحَ:
فخَلَّقْتُه حَتَّى إِذا تَمَّ و اسْتَوَى # كَمُخَّةِ ساقٍ أَو كمَتْنِ إِمامِ
قَرَنْتُ بحِقْوَيْهِ ثَلاثاً فلَمْ يَزُغْ # عَن القَصْدِ حَتّى بُصِّرَتْ بدِمامِ
و خَلِقَ الشّيْءُ كَفَرِحَ، و كَرُمَ: امْلاسَ و لانَ و اسْتَوى، و قد خَلَّقَهُ هو، يُقال: حَجَرٌ أَخْلَقُ أَي: لَيِّنٌ أَمْلَسُ مُصْمَتٌ، لا يُؤَثِّرُ فيهِ شَيْءٌ. و صَخْرَةٌ خَلْقاءُ : مُصْمَتَةٌ مَلْساءُ، و كذََلِكَ هَضْبَةٌ خَلْقاءُ ، أَي: لا نَباتَ بها، و قِيلَ: صَخْرَةٌ خَلْقاءُ بَيِّنَةُ الخَلَقِ : ليسَ فِيها وَصْمٌ و لا كَسْرٌ، و ١٦- في الحَدِيثِ [٩] : «لَيْسَ الفَقِيرُ فَقِيرَ المالِ إِنَّما الفَقِيرُ الأَخْلَقُ الكَسْبِ» . يَعْنِي الأَمْلَسَ من الحَسَناتِ [١٠] ، أَرادَ أَنَّ الفَقْرَ الأَكْبَرَ هو فَقْرُ الآخِرِة.
و يُقال: رَجُلٌ أَخْلَقُ من المالِ، أَي: عارٍ منه، و قالَ الأَعْشَى:
[١] سورة الأعراف الآية ٥٤.
[٢] سورة المؤمنون الآية ١٤.
[٣] سورة العنكبوت الآية ١٧.
[٤] سورة آل عمران الآية ٤٩.
[٥] سورة الشعراء الآية ١٣٧ و قُرى «خُلُقُ» قال الفراء و من قرأ بها أراد عادة الأولين.
[٦] سورة ص الآية ٧.
[٧] ديوانه ط بيروت ٢٩ و البيت مشهور.
[٨] في اللسان: «لهن» .
[٩] في اللسان: و قول عمر بن الخطاب: ليس الفقير الذي لا مال له، إنما الفقير... » و مثله في التهذيب و النهاية.
[١٠] يعني الذي لم يقدم لآخرته شيئاً يثاب عليه.