تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٤٩٢ - هرق هرق
عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لم تحلل أَوْكِيتهن و قال سلمة بن الخرشب الأَنْمارِيُّ:
هرقنَ بِساحوقَ جفاناً كثيرةً # و أدّينَ أخرى من حقينٍ و حَازِرِ
و أَنْشَدَ ابنُ بَرِّي لأَوْسِ بنِ حجر:
نُبِّئْتُ أَنَّ دَماً حراماً نِلْتَهُ # فهُرِيق في ثوبٍ عليك مَحَبَّرِ [١]
و أَنْشَدَ للنابِغَةِ:
و ما هُرِيقَ على الأَنْصابِ من جَسَدِ [٢]
قالَ الفيومي في المِصْباحِ: و أَصْل هَراقَهُ هريقه وزَانَ دَحْرَجه، و لهذا تُفْتَح الهاءُ مِنَ المُضَارِع فيُقال: يُهَرِيقُه كما تُفْتح الدَّالُ مِنْ يُدَحْرجه.
و أَهْرَقَهُ يُهْرِيقُه كذا في النُّسَخ و هو غَلَطٌ صَوَابه يُهْرِقه إِهْراقاً على افعلَ يَفْعَل كما في سائِرِ نُسَخِ الصِّحاحِ و العَبَابِ، و وقَعَ في نُسْخَةِ اللِّسَانِ نَقْلاً عَنِ الجَوْهَرِيِّ مِثْل ما في نسخنا و هو خَطَأٌ ظاهِرٌ و هذه هي اللُّغَةُ الثانِيَة مِنَ الثلاثَةِ، و كأن الهاء في هذه أَصْلِية، و قَدْ ذَكَرَها الجَوْهَرِيُّ و الصَّاغانِيُّ بقَوْلِهِم، و فِيه لُغَة أُخْرَى: أَهْرَقَ يُهْرِقُ عَلَى أَفْعَلَ يُفْعِلُ، و قالا: قالَ سِيْبَوَيْهٌ: قَدْ أَبْدَلُوا مِنَ الهَمْزَة الهاءَ ثم أُلْزِمَت فصَارَتْ كأنَّها مِنْ نَفْسِ الحَرْفِ ثم أُدْخِلَت الأَلِف بَعْدُ عَلَى الهاءِ و تُرِكَت الهاءُ عِوَضاً مِنْ حَذْفِهم حَرَكَة العَيْنِ لأَنَّ أَصْلَ أَهْرَق أَرْيقَ. قالَ ابنُ بَرِّيّ: هذه اللُّغَة الثانِيَة التي حَكَاها عَنْ سِيْبَوَيْه هي الثالِثَة التي يَحْكِيها فيمَا بَعْدُ إِلاَّ أَنَّهُ غلط في التَّمْثِيْل، فقالَ أَهْرَق يُهْرِقُ ، و هي لُغَة ثالِثَة شاذَّةٌ نادِرَةٌ لَيْسَتْ بواحِدَةٍ مِنَ اللّغَتَيْنِ المَشْهُورتين؛ يقُولُون: هَرَقْتُ الماءَ هَرْقاً و أَهْرَقْتُه إِهْرَاقاً ، فيَجْعَلُون الهاءَ فاءً و الرَّاء عيْناً و لا يَجْعلونَه مُعْتلاً، و أَمَّا الثانِيَة التي حَكَاها سِيْبَوَيْهٌ فهي أَهْرَاق يُهْرِيقُ إِهْرَاقةً ، فغيَّرَها الجَوْهَرِيُّ و جَعَلَها ثالِثَة، و جَعَل مَصْدَرَها إِهْرِياقاً ، أَلاَ تَرَى أَنَّه حُكِيَ عَنْ سِيْبَوَيْه في اللغَةِ الثانِيَةِ أَنَّ الهاءَ عِوَض مِنْ حركَةِ العَيْن لأَنَّ الأَصْلَ أُرْيَقَ؟فهذا يدلُأَنّه مِنْ أَهْرَاق إِهْرَاقةً بالأَلْفِ، و كذا حَكَاه سِيْبَوَيْه في اللغَةِ الثانِيَةِ الصَّحِيْحَة.
و أَهْراقَهُ يُهْرِيقُه إِهْرِياقاً فهو مُهَرِيقٌ بفتحِ الهاءِ و ذاكَ مُهَراقٌ و مُهْرَاقٌ بفتحِها و سكونِها أَي صَبَّهُ و هذه هي اللغَةِ الثالِثَةِ تتمَّةِ اللَّغَات، هكََذَا نَقَلَه الجَوْهَرِيُّ و الصَّاغانيُّ قال:
و هذا شاذٌّ و نظِيْرُه أَسْطاعَ يُسْطِيع اسْطِياعاً بفتْحِ الهَمْزةِ فِي المَاضِي و ضمِّ الياءِ في المُسْتقبل، لغَةٌ في أَطَاعَ يُطِيْع، فجعلُوا السِّين عِوَضاً مِنْ ذِهابِ حركَةِ عَيْن الفِعْلِ على ما ذَكَرْناه عَنِ الأَخْفَشِ في بابِ العَيْن؛ و كذلِكَ حكْمُ الهاءِ عِنْدِي انْتَهَى.
قالَ ابنُ بَرِّي: و قَدْ ذَكَرْنا أنَّ هذه اللغَةَ هي الثانِيَةِ فيمَا تَقَدَّمَ إلاَّ أنَّه غَيَّرَ مَصْدَرَها فقالَ إِهْرِياقاً ، و صَوَابه إِهْرَاقَةً لأَنَّ الأَصْل أَراقَ يُرِيقُ إراقةً، ثم زِيْدَت فِيْه الهاء فصَارَ إِهْراقةً ، و تاءُ التأْنِيْث عِوَضٌ مِنَ العَيْن المَحْذُوفة، و كذلِكَ قالَ ابنُ السراج أَهْراقَ يُهْرِيْقُ إهْرَاقةً ، و أَسْطاعَ يُسْطِيع إِسْطاعة، قالَ: و أَمَّا الذي ذَكَرَه الجَوْهَرِيُّ مِنْ أنَّ مَصْدَرَ أَهْراقَ و أَسْطَاع إِهْرياقاً و اسْطِياعاً فغَلَطٌ مِنْه، لأَنَّه غَيْر مَعْرُوف، و القِيَاس إِهْرَاقةً و إِسْطَاعةً عَلَى ما تَقَدَّم، و إِنَّمَا غلَّطَه في اسْطِيَاع أَنَّه أَتَى به عَلَى وَزْنِ الاسْتِطاعِ مَصْدر اسْتَطاع، قالَ: و هذا سَهْو مِنْه لأَنَّ أَسْطاعَ هَمْزَتَه قَطّع و الاسطياع هَمْزَتَهما وَصْل، و قَوْلُه: و الشَّيْءِ مُهْرَاقٌ مُهْرَاق لا غَيْر، قالَ:
و أَمَّا مُهَراقٌ بالفتحِ، فمفْعُولُ هَرَاقَ و قَدْ تَقَدَّم شاهِدُه أي مِنْ قَوْلِ الشاعر:
رُبَّ كأَسٍ هَرَقْتَها ابنَ لُؤَيٍّ # حَذَرَ الموتِ لم تكُنْ مُهْرَاقَهْ [٣]
قُلْتُ و كذَا قَوْل امْرِىءِ القَيْسِ.
و إِنَّ شفَائِي عَبْرةٌ مُهْرَاقةٌ [٤]
و شَاهِد المُهْرَاق ما أُنْشِدَ في بابِ الهجَاءِ مِنَ الحَمَاسةِ لعُمَارة بن عُقَيْل:
دعَتْهُ و في أَثوابِهِ مِن دِمَائِها # خَلِيطَا دمٍ مُهْرَاقةٍ غَيْر ذَاهِبِ [٥]
[١] ديوانه ط بيروت ص ٤٧ و اللسان.
[٢] ديوانه ط بيروت و صدره فيه:
فلا لعمر الذي مسّحت كعبته
و عجزه في اللسان.
[٣] اللسان.
[٤] ديوانه ط بيروت ص ٣١ و عجزه فيه:
فهل عند رسمٍ دارسٍ من مُغوَّلِ.
[٥] شرح ديوان الحماسة للتبريزي ٤/٨ برواية:
«خليطا دم من ثوبه... »
قال:
و يروى:
... مهراقة غير ذاهب.
و المثبت كرواية اللسان.