تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٨٢ - حقق حقق
و حُقَّ لَها أَنْ تَفْعَلَ، و معنَى قَوْلِ من قالَ: حَقَّ عليكَ أَنْ تَفْعَلَ: وَجَبَ عليكَ، و قالُوا: حَقٌّ أَنْ تَفْعَلَ، و حَقِيقٌ أَنْ تَفْعَلَ، و حَقِيقٌ -في حَقَّ و حُقَّ -: فَعِيلٌ بمَعْنَى مَفْعُول، قالَ الشّاعِرُ:
قَصِّرْ فإِنَّكَ بالتَّقْصِيرِ مَحْقُوقُ [١]
يُقال للمَرْأَةِ: أَنْتِ حَقِيقَةٌ لذََلِكَ، يَجْعَلُونَه كالاسْمِ، و أَنْتِ مَحْقُوقَةٌ لذََلِكَ، و أَنْتِ مَحْقُوقةٌ أَنْ تَفْعَلِي ذََلِكَ، و أَمّا قول الأَعْشَى:
و إِنَّ امْرَأً أَسْرَى إِليكِ و دُونَه # من الأَرْضِ مَوْماةٌ و يَهْماءُ سَمْلَقُ [٢]
لمَحْقُوقَةٌ أَنْ تَسْتَجِيبِي لَصوْتِه # و أَنْ تَعْلَمِي أَنَّ المُعانَ مُوَقَّقُ
فإِنَّه أَرادَ: لَخُلَّةٌ مَحْقُوقَةٌ ، يعنِي بالخُلَّةِ الخَلِيلَ، و لا تَكُونُ الهاءُ في مَحْقُوقةٍ للمُبالَغةِ، إِنّما هي في أَسماءِ الفاعِلِينَ دُونَ المَفْعُولِينَ، و لا يَجُوزُ أَن يكونَ التقديرُ:
لمَحْقُوقَة أَنْتِ؛ لأَنَّ الصّفةَ إِذا جَرَتْ على غَيْرِ مَوْصُوفِها لم يكن عندَ أَبِي الحَسَنِ الأَخْفَشِ بُدٌّ من إِبرازِ الضَّمِيرِ، و هََذا كُلُّه تَعْلِيلُ الفارِسِيِّ.
و في الأَساسِ: فإِن قُلْتَ: فما وَجْهُ قَوْلِهم: أَنْتَ حَقِيقٌ بأَنْ تَفْعَلَ، و أَنْتَ مَحْقُوقٌ به، و إِنَّكِ مَحْقُوقَةٌ بأَن تَفْعَلِي، و حَقِيقَةٌ به، و حُقِقْتَ بأَنْ تَفْعَلَ، و حُقَّ لكَ أَنْ تَفْعَلَ.
قلتُ: أَما حَقِيقٌ فهو من حَقُقَ في التَّقْدِيرِ: كما قالَ سِيبَوَيه في فَقِيرٍ: إِنّه من فَقُرَ مُقَدَّراً، و في شَدِيدٍ: مِنْ شَدُدَ، و نَظِيرُه خَلِيقٌ و جَدِيرٌ من خَلُقَ بكَذا، و جَدُرَ بهِ، و لا يَكُونُ فَعِيلاً بمعنى مَفْعولٍ، و هو مَحْقُوقٌ ، لقولِهم: أَنتِ حَقِيقَةٌ بكذا، و امْرَأَةٌ [٣] حَقِيقَةٌ بالحَضانَةِ، و أَمّا حُقِقْتَ بأَنْ تَفْعَلَ، و أَنْتَ مَحْقُوقٌ بهِ، فبمعنَى: جُعِلْتَ حَقِيقاً به، و هو من باب فَعَلْتُه ففَعَلَ، كقَبُحَ و قَبَحَهُ اللََّه، و بَرَدَ الماءُ و بَرَدْتُه، و يَجُوزُ كونُه من حَقَقْتُ الخَبَرَ، أَي عُرفْتَ بذََلِك، و تُحُقِّقَ [٤] منك أَنَّكَ تَفْعَلُه بشهادَةِ أَحوالِكَ، و أَمّا حُقَّ لكَ أَن تَفْعَلَ، فمِنْ حَقَّ اللَّهُ الأَمْرَ، أَي: جَعَلَه حَقًّا لَكَ أَنْ تَفْعَلَ، أَو أَثْبَتَ لَكَ ذََلِكَ، انتهى، و هو تَحْقِيقٌ نَفِيسٌ.
و الحَقِيقَة : ما أُقِرَّ في الاسْتِعْمالِ على أَصْلِ وَضعِه.
و قِيلَ: هو اسمٌ لِما أُرِيدَ بهِ ما وُضِعَ له، فَعِيلَةٌ من حَقَّ الشَّيءُ: إِذا ثَبَتَ، بمَعْنَى فاعِلَة، و التاءُ فيه للنَّقْلِ من الوَصْفِيَّة إِلى الاسميَّة، كما في العَلاّمةِ، لا للتَّأْنِيثِ، و قال بَعْضُهم: إِنَّ ما بهِ الشَّيْءُ هو هو باعْتِبارِ حَقِيقَتِه حقيقةٌ ، و باعْتبارِ تَشَخُّصِهِ هُوَ به-و مع قَطْعِ النَّظَرِ عن ذََلِك-:
ماهِيَّةٌ و هو ضِدُّ المَجازِ و إِنَّما يَقَعُ المَجازُ و يُعْدَلُ إِليه عن الحَقِيقةِ لمَعانٍ ثَلاثة، و هي: الاتِّساعُ، و التَّوْكِيدُ، و التَّشْبِيه، فإِنْ عُدِمَ هذه الْأَوْصافَ كانت الحَقِيقَةُ البَتَّةَ.
و الحَقِيقَةُ : ما يَحِقُّ عليكَ أَنْ تَحْمِيَهُ يُقال: فلان حامِي الحَقِيقَةِ ، نَقَلَه الجَوْهَرِيُّ، و هو مَجازٌ، كما في الأَساسِ، و في اللِّسانِ: حَقِيقَةُ الرَّجُل: ما يَلْزَمُه حِفْظُه و مَنْعُه، و يَحِقُّ عليه الدِّفاعُ عنه من أَهْلِ بَيْتِه، و جَمْعُها: الحَقائِقُ .
و يُقال: الحَقِيقَةُ : الرّايَةُ و منه قَوْلُ أَبِي المُثَلَّمِ يَرْثِي صَخْرَ الغَيِّ الهُذَلِيَّ:
حامِي الحَقِيقَةِ نَسّالُ الوَدِيقَةِ مِعْ # تاقُ الوَسِيقَةِ جَلْدٌ غيرُ ثُنْيانِ [٥]
و أَنْشَدَ الجَوْهَرِيُّ لعامِر بنِ الطُّفَيْلِ:
لقَدْ عَلِمَتْ عُلْيا هَوازِنَ أَنَّنِي # أَنا الفارِسُ الحامِي حَقِيقَةَ جَعْفَرِ
قالَ الصاغانِيُّ: جَعْفَرٌ هذا أَبو جَدِّهِ؛ لأَنَّه عامِرُ بنُ الطُّفَيْلِ بنِ مالِكِ بنِ جَعْفَرِ بنِ كِلابٍ.
و بَناتُ الحُقَيْقِ ، كزُبَيْرٍ: تَمْرٌ رَدِيءٌ، قِيلَ: هو الشِّيصُ، نقَلَه اللَّيْثُ [٦] بنُ عَبّادٍ، و كَذَا أَبو رافعٍ عَبْدُ اللَّهِ و قِيلَ:
[١] البيت لجرير كما في التهذيب، و صدره في ديوانه ص ٣١٢:
قل للأخيطل إذ جدّ الجراء بنا
و في الديوان: «أقصر» بدلاً من «قصر» .
[٢] عجزه في ديوانه ط بيروت ص ١٢٠:
فيافٍ تنوفات و بيداءُ خيفقُ.
[٣] في الأساس: و هذه امرأةٌ.
[٤] عن الأساس، و بالأصل «و تحققت» .
[٥] ديوان الهذليين ٢/٢٣٩ و قوله نسّال من نسل الماشي ينسُل نسلا و نسلاناً بمعنى أسرع.
[٦] قال الأزهري: قال الليث: بنات الحقيق ضرب من التمر، صحف الليث هذه الكلمة و أخطأ في التفسير أيضاً، و الصواب لون الحُبيق ضرب من التمر رديء، و بنات الحقيق في صفة التمر تغيير، و لون الحبيق معروف.