بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٢١ - حكم سائر صور كون صرف المال في أداء الحج مؤثراً أو غير مؤثر في الوضع المعيشي للمكلف
البعض الآخر لما بعد العود، إلا إذا فرض أنه ممن لا يمكنه التكسب إلا بالاتجار ونحوه مما يتوقف على وجود رأس المال, وأما في غير هذه الحالة كما إذا كانت له مهنة أو صنعة أو حرفة يفي واردها بنفقته ونفقة عياله فلا يعتبر أن يكون ما لديه من المال زائداً على مؤونة حجه بحيث يرجع به إلى الكفاية.
وبعبارة أخرى: إنه لا إطلاق للرواية لصورة كون صاحب المال مستغنياً عنه في تأمين نفقته ونفقة عياله بعد العود من الحج، بل هي ناظرة إلى خصوص ما إذا كان بحاجة إلى بعضه ليعيش من وارده بعد العود, ولذلك لا خلاف بين الفقهاء (رضوان الله عليهم) ــ حتى ممن اعتمدوا على رواية أبي الربيع الشامي في اشتراط الرجوع إلى الكفاية ــ في عدم سقوط الحج عن الحدّاد والنجار وأضرابهما إذا توفر لهم المال الوافي بمؤونة الحج ــ مع التمكن من نفقة العيال ذهاباً وإياباً ــ لتمكن هؤلاء من توفير نفقتهم ونفقة عيالهم من دون حاجة إلى رأس المال.
وهكذا يتضح الفرق بين الصورة الثالثة المبحوث عنها والصورة الرابعة المتقدمة، حيث كان المفروض فيها صيرورة الشخص فقيراً يحتاج إلى الاعتماد على الغير لو صرف ماله في أداء الحج. وأما هنا فالمفروض خلافه وأنه لا يصير فقيراً ليحتاج إلى الغير، بل يتمكن من الحصول على مكسب آخر مناسب لشأنه.
ج ــ وأما الصورة الثانية ــ أي فيما إذا كان صرف ماله في سبيل الحج لا يؤثر سلباً في وضعه المعاشي، لكونه يرتزق من المساعدات أو الحقوق الشرعية أو نحوها ويتوفر له منها بعد الحج ما يفي بنفقة نفسه وعياله ــ فيختلف الحكم فيها بحسب اختلاف الوجوه الخمسة المتقدمة، فإنه إن اعتمد في نفي وجوب الحج في ما التزم به في الصورة الخامسة على دليل نفي الحرج أو دليل اعتبار الاستطاعة العرفية أو دليل معذورية من كان له عذر عرفي، فإن شيئاً من هذه الوجوه لا يأتي في هذه الصورة ليقتضي نفي وجوب الحج.
وإن اعتمد فيه على دليل اعتبار اليسار أو رواية أبي الربيع الشامي فيمكن أن يقال بأن مقتضاهما عدم وجوب الحج هنا، لعدم صدق الموسر على