بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦٢٩ - متى تتحقق الاستطاعة للحج؟
السرب ــ مثلاً ــ يصدق كونه مستطيعاً، ولكن مشروطاً بشرط متأخر وهو بقاء المال وصحة البدن وتخلية السرب إلى آخر أزمنة الحاجة إليها في الإتيان بالحج، فإذا انتفى أحد هذه الأمور قبل ذلك كشف عن عدم تحقق الاستطاعة من البداية، لا أنها تحققت ثم انتفت كما كان هو مقتضى الرؤية الأولى.
وهذه الرؤية ربما تظهر من السيد الحكيم (قدس سره) [١] ، ولكنها غير تامة حتى على مسلك الاستطاعة الشرعية الخاصة، لأن الاستطاعة وفق هذا المسلك هي القدرة التكوينية نفسها، ولكن من حيث وجدان المال والصحة وتخلية السرب أو بإضافة بعض الأمور الأخرى كالرجوع إلى الكفاية. والأمور التكوينية مما لا يتأتّى فيها الشرط المتأخر، وإنما هو شأن الأمور الاعتبارية ونحوها كالوجوب، فيعقل أن يكون وجوب الإتيان بشيء مشروطاً بتحقق أمر لاحق، لأن مرجع ذلك ــ كما حقق في علم الأصول ــ إلى تقييد الحكم في وعاء الإنشاء بذلك الأمر، وليس بين الحكم وقيده في ذلك الوعاء تقدم وتأخر زماني إلا بالحمل الأولي، دون الحمل الشائع فإنهما متقارنان بحسبه لا محالة. وأما الأمور التكوينية فلا يعقل أن يكون وجودها مشروطاً بأمر متأخر بحيث يكون للأمر المتأخر دخل في وجودها في زمانها المتقدم عليه.
ويبدو أن الذي دعا السيد الحكيم (قدس سره) إلى تبني هذه الرؤية هو أنه لما قال بأن الاستطاعة بتحققها آناً ما شرط في وجوب الحج ــ كما سيأتي بيانه ــ لم يجد بُداً من الالتزام بأن تحققها كذلك لا يتم إلا ببقاء الأمور المعتبرة فيها إلى آخر أزمنة الحاجة إليها، وإلا لزم بقاء الوجوب فيما لو تلف المال من غير تقصير أو أصاب صاحبه مرض أو منع من السفر ظلماً ونحو ذلك، فإن هذا مما لا يمكن البناء عليه.
فمن أجل تفادي هذا الإشكال التزم (قدس سره) بأن بقاء الأمور المعتبرة في الاستطاعة شرط في أصل تحققها، فلو لم تبق كشف ذلك عن عدم كونه مستطيعاً من الأول وبذلك يندفع المحذور المذكور، ولكن قد ظهر أنه يستلزم محذوراً آخر
[١] مستمسك العروة الوثقى ج:١٠ ص:١٠٧ــ١٠٨.