بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦٠١ - المسألة ٣٧ هل يجب الفحص عن وفاء المال بنفقة الحج؟
والدليل على ذلك هو العقل نفسه، فإن أصل ثبوت حق المولوية لله تعالى لما كان من مدركات العقل العملي فإن حدوده سعة وضيقاً تكون كذلك، ولا يمكن البرهنة على هذا الإدراك العقلي، بل أقصى ما يمكن للشخص أن يفعله هو أن يعرض على نفسه احتمال كون إدراكه لهذا الأمر ناشئاً من حاق النفس أو من التأديب والتلقين، فإن احتمل أنه ناشئ من الثاني زال إدراكه وقطعه، وإن بقي إدراكه فهو ناشئ إما من عدم معلوليته للتأديب والتلقين أو من اعتقاده عدم معلوليته لذلك، ومن يعتقد بهذا يكفيه اعتقاده ولا يحتاج إلى دليل.
(الثاني): ما هو المختار من أنه ليس موضوع الوعيد بالعقوبة على مخالفة التكليف الإلزامي ــ الذي يدركه العقل بتحليل الحكم المولوي نفسه ــ هو مطلق المخالفة بل خصوص ما إذا صدرت المخالفة ممن انكشف له التكليف بعلم أو بعلمي، أي أن العقل يدرك أن موضوع الوعيد على الترك في الحكم الإلزامي الوجوبي هو الترك مع انكشاف التكليف بعلم أو بعلمي دون مطلق الاحتمال.
وأساس هذا الوجه هو أن استحقاق العقوبة على مخالفة التكاليف الإلزامية إنما هو من مدركات العقل النظري بتحليل العقل للحكم وإدراكه اندماج جعل العقوبة على المخالفة فيه.
ويمكن أن يقال وفقاً لهذا الوجه: إن ما يدركه العقل ويجده مندمجاً في الحكم الإلزامي ليس هو جعل العقوبة على المخالفة في خصوص صورة انكشاف التكليف بعلم أو علمي، بل حتى مع الاحتمال قبل الفحص بأدنى درجاته. وأيضاً مع احتمال ذلك بعد الفحص، إذا كان الاحتمال مدعوماً بشواهد تورث الظن القوي وإن لم يبلغ درجة الاطمئنان، أو كان المحتمل بالغ الأهمية كما مرَّ.
فالنتيجة: أنه على كلا الوجهين في أصالة البراءة العقلية يمكن أن يقال أن دليلها قاصر عن الشمول لموارد الشك في التكليف في الشبهة الموضوعية من دون أدنى درجة من الفحص وإن كان مما يزول به الشك.