بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١١٧ - لا فرق في اشتراط وجود الراحلة بين القريب والبعيد
ولا إجماع في حق غيره، فيقتصر في اعتباره على ما قام عليه الإجماع.
وفيه: أن الإجماع المدعى في كلمات بعض الفقهاء لا يصلح في الأساس دليلاً على الحكم المذكور, ولم يستند إليه معظم القائلين باعتبار التمكن من الراحلة في حق النائي وإنما استندوا إلى دليل الاستطاعة وإلى نصوص الزاد والراحلة وليس فيها ذكر النائي بخصوصه.
الثاني: أن الاستطاعة لا تتحقق عرفاً في حق البعيد إلا بالتمكن من الراحلة بخلاف غيره. وهذا ما أشار إليه ابن قدامة في كلامه المتقدم نقله، وربما يستفاد في كلام السيد المرتضى (قدس سره) أيضاً، حيث قال [١] : إن الاستطاعة في عرف الشرع وعهد اللغة عبارة عن تسهيل الأمر وارتفاع المشقة فيه، وليست بعبارة عن مجرد القدرة. ألا ترى أنهم يقولون: (ما أستطيع النظر إلى فلان) إذا كان يبغضه ويمقته ويثقل عليه النظر إليه، وإن كان معه قدرة على ذلك. وكذلك يقولون: (لا استطيع شرب هذا الدواء)، يريدون أنني أنفر منه ويثقل عليّ شربه وإن كانت معه القدرة على ذلك. وقال الله تعالى: ((إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)) إنما أراد هذا المعنى لا محالة. فإذا تقرّر ما ذكرناه وكان الصحيح الجسم يشق عليه المشي الطويل إلى الحج لم يكن مستطيعاً له في العرف الذي ذكرناه.
ويلاحظ على ما أفاده ..
أولاً: بأن الاستطاعة العرفية وإن كان لا يكتفى فيها بمجرد القدرة العقلية، ولكن لا يعتبر فيها انتفاء المشقة مطلقاً بأن يكون العمل سهلاً يسيراً، بل الذي يتنافى معها ترتب الحرج الشديد الذي لا يتحمل عادة، والمشي إلى الحج بالنسبة إلى النائي لم يكن شاقاً بهذه المثابة غالباً في الأزمنة السابقة، بل كان الغالب استلزامه درجة قابلة للتحمل من الحرج والمشقة.
فالوجه المذكور لا يفضي إلى ما ذكر من التفصيل.
وثانياً: بأن مقتضى هذا الوجه هو التفصيل بين من يشق عليه المشي ومن لا يشق عليه ذلك بلا فرق بين النائي والقريب، أي تكون العبرة بالمشقة
[١] الناصريات ص:٣٠٤.