بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢١٩ - حكم سائر صور كون صرف المال في أداء الحج مؤثراً أو غير مؤثر في الوضع المعيشي للمكلف
الرواية هو اشتراط السعة في المال بأن ينفق بعضاً ويبقي بعضاً لنفقة عياله، والمفروض هنا أنه ليس لصاحب المال إلا ما ينفقه في سبيل الحج ويشك في أنه بعد رجوعه منه هل يتيسر له الحصول على نفقته ونفقة عياله بوجه لائق بشأنه أم لا؟ فليس هو في سعة من المال حتى يشمله وجوب الحج.
وهكذا الحال بالنظر إلى عدم صدق الموسر في مورد الحالة الأولى، فإنه لا يصدق في مورد الحالة الثانية أيضاً كما لا يخفى.
وأما بالنظر إلى ما ورد في صحيح عبد الرحمن بن الحجاج من أن من كان له عذر في ترك الحج عذره الله، فإنه مما لا مجال للتمسك به هنا، لأن العذر وهو الحرج الشديد غير محرز الوقوع، بل مقتضى الأصل عدم وقوعه، فلا بد من التصدي لأداء الحج كما هو ظاهر.
فتحصل من جميع ما تقدم: أن المختار في الحالة الثانية المبحوث عنها هو عدم وجوب أداء الحج، لدليل اعتبار اليسار في وجوب حجة الإسلام, وأما على مباني السيد الأستاذ (قدس سره) فلا يتم ذلك، على خلاف ما يستفاد من عبارته في المتن.
هذا تمام الكلام في حكم الصورة الخامسة, ومنه يظهر حكم الصور الأربع الأخرى ..
أ ــ أما الصورة الرابعة ــ أي فيما إذا كان صرف ماله في سبيل أداء الحج يؤدي إلى صيرورته فقيراً بعد العود من الحج ولكن مع التمكن من تأمين نفقته بمساعدة الغير على الوجه اللائق بشأنه ــ فالحكم فيها هو وجوب الخروج إلى الحج إذا كان مستند عدم الوجوب فيما التزم به في الصورة السابقة هو اعتبار الاستطاعة العرفية أو دليل نفي الحرج أو تحقق العذر عرفاً، فإن شيئاً من هذه الوجوه لا يأتي هنا، لفرض أنه يمكنه أن يحصّل نفقته ونفقة عياله بطريقة مناسبة لشأنه مثلاً بإنفاق أبيه أو صديقه أو بالأخذ من حقوق الفقراء أو نحو ذلك [١] ،
[١] تجدر الإشارة إلى أن تقبل الإنفاق من الغير ــ حتى ممن يجب عليه الإنفاق كالأب والابن ــ قد لا يناسب شأن الشخص لما فيه من منة لا تتحمل عادة كما نبه على ذلك الفقهاء (رضوان الله عليهم) في كتاب الزكاة, وهكذا الأخذ من حقوق الفقراء من الزكاة والخمس قد لا يليق بشأن الشخص ويجد فيه حرجاً شديداً, وهذه الحالات تندرج في الصورة الخامسة المتقدمة كما هو ظاهر.