بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٠٥ - هل تتحقق الاستطاعة بمجرد القدرة على إيجار الشخص نفسه لممارسة صنعة مثلاً يفي واردها بنفقة الحج؟
يمكن أن يقال: نعم, على أساس أن الإجارة هي تمليك للمنفعة في مقابل البيع الذي هو تمليك للعين, ولا معنى لتمليك المنفعة من دون أن يكون مالكاً لها, فهو يملك منفعته المستقبلية، ولذلك يملّكها للغير بالإجارة, والمنفعة تلك هي من قبيل المال, إذ لا يقصد بالمال إلا ما يتنافس عليه العقلاء ويرغبون في تحصيله، والمنافع من هذا القبيل بالضرورة, فإذاً هو يملك المال الوافي بنفقة الحج فيُعدّ مستطيعاً.
ونظير ذلك ما إذا كان هناك بستان وقف عليه ويملك منافعه، فإنه إذا أمكنه إيجاره وصرف الأجرة في أداء الحج يعتبر مستطيعاً ولا يتوقف الأمر على تحقق الإجارة بالفعل, بل هو مستطيع قبل ذلك من جهة أن منافع البستان ملك له والمفروض أن ما يدفع بإزائها من الأجرة يفي بنفقة الحج فكيف لا يكون مستطيعاً بذلك؟!
وبالجملة: منافع ذوي المهن والصنائع وأمثالهم تُعدّ أموالاً كمنافع الأعيان فتتحقق الاستطاعة بها مثلها.
ولكن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهناك عدة مسالك في الجواب عنه ..
الأول: أن منفعة الشخص بمعنى عمله لا يُعدّ مالاً بل وسيلة لتحصيل المال, فالطبيب والخياط والصياد وعامل البناء وأمثال هؤلاء يعدّون قادرين على تحصيل المال بأعمالهم، وليست الأعمال بما هي هي مالاً عند العرف. ولذلك لا يصدق على الطبيب ــ مثلاً ــ أن عنده مالاً لمجرد قدرته على القيام بالطبابة التي تجلب له المال.
إن قيل: إذا كان الحال كذلك فلماذا يحكم بالضمان على من حبس حراً كسوباً مع أنه لا يمنعه بالحبس إلا من ممارسة عمله الذي ليس هو مالاً على الفرض، فلا يُعدّ تفويته عليه تضييعاً للمال الموجب للضمان؟!
كان الجواب عنه: أنه بناءً على الالتزام بالضمان في مثل ذلك ــ كما التزم به عدد من الفقهاء ــ فهو من جهة أن الكسوب لما كان معتاداً للقيام بعمله يُعدّ منعه منه عند العقلاء بمنزلة تضييع ما يستحصله به من المال عادة، ولذلك يحكم